اليوم : الخميس 6 محرم 1436هـ الموافق:30 أكتوبر 2014م
الدكتور إبراهيم هلال لـ"الصُّوفِيَّة ": التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ البوابة الذهبية لتكريس الفكر الإلحادي والنظريات الوثنية
تاريخ الإضافة: الأحد 16 صفر 1434هـ

*رموز التَّصَوُّف الفَلْسَفِيّ أنكروا الوحي، وأسقطوا الفرائض، وطعنوا في القرآن والسنة.

*وَحْدَة الأديان إحدى تَجَلِّيات وَحْدَة الوُجُود، والترويج للحوار بين العقائد مسعى لإعادة ضخِّ الدِّماء في عُروق الأفكار الهادمة.

*الحقيقة المُحَمَّدِيَّة أبرز تَجَلِّيات الفساد العَقَدِيّ للصُّوفية، ونظرية الفَنَاء مُستقاة من ديانة نرفانا البُوذية.

*مَدرَسَةُ ابن مسرة كانت الرَّافِدَ الأول لشَطَحَات ابْن عَرَبِيٍّ والحلاج والسُّهْرَوَرْدِيّ، ولا زلنا نعاني من فسادها حتى الآن.

*أقوال الْبَسْطَامِيِّ كفر بواح، وابْن عَرَبِيٍّ امتدح شجاعة إبليس أمام الله، والحقيقة المُحَمَّدِيَّة فِرْيَةٌ لا أساس لها.

*ابْن تَيْمِيَّةَ واصفًا فلسفة التَّصَوُّف: ليسوا مسلمين ولا يهودًا أو نصارى.

*احتفاء الصُّوفِيَّة بالمولد النَّبَوِيّ يَعكِس رغبتهم في خداع البسطاء والترويج لبضاعتهم الفاسدة.

*الخلاف بين الصُّوفِيَّة وأهل السنة عَقَدِيّ مَحْضٌ، والرِّهان على إصلاح منهجهم هُراء ومَضيَعَةٌ للوقت.

*افتقاد الشيعة لحليفٍ قويٍّ في البلدان السنية وراء رِهانهم على الصُّوفِيَّة كقاطرة للترويج لفكرهم الضالِّ.

القاهرة – الصُّوفِيَّة - أحمد علي:

أكد الدكتور إبراهيم هلال، أستاذ الفلسفة والعَقِيدَة الإسلامية بجامعة عين شمس، أن التَّصَوُّف الفَلْسَفِيَّ كان نافذةَ تخريبٍ عَقَدِيّ ودِيني فُتحت على الأمة من خلال الفتوحات الإسلامية، وتصاعُدِ حركة الترجمة للتراث اليوناني الفَارِسِيِّ، مشيرا إلى أن هذا النوع من التَّصَوُّف يعكس خليطًا من الأفكار اليونانية والمجوسية التي لم نتطهَّرْ منها حتى الآن.

واعتبر في حواره الخاص مع موقع "الصُّوفِيَّة" أن وَحْدَة الوُجُود والْحُلُول وَالِاتِّحَاد والحقيقة المُحَمَّدِيَّة والفَنَاء تشكِّل رافِدًا لكل الفساد العَقَدِيِّ الذي تعاني منه الأمة، بل إن الغرب ومستشرقيه ودوائره الاستخباراتية لا زالت تحاول استخدام هذه النظريات، وتضخُّ الدماء في عروقها لإفساد عَقِيدَةِ الأمة وتذويب هُويَّتها.

وتابع يقول: ما يطلقون عليه حوار الأديان حاليا هو أحد تَجَلِّيات ما دعا إليه فلاسفة اليونان، وتبِعَه ابْنُ عَرَبِيٍّ والحلاج وغيرُهم؛ سعيًا منهم لتنفيذ أجندة خبيثة تحاول هزيمة الإسلام بالفكر الخبيث بعد أن عجزوا عن مواجهة الإسلام في الميدان. لافتا إلى أن جميع نظريات التَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ تخالف أسس العَقِيدَة الصحيحة، وتحاول إخراج أجيال مُسوخ مشوَّهة، لا تستطيع مواجهة المؤامرات ضد الدين الحنيف.

ورأى أن احتفاء الصُّوفِيَّة بالمولد النَّبَوِيِّ ما هو إلا محاولةٌ لخداع البسطاء والتغطية على فسادهم العَقَدِيِّ وتأليههم للرَّسول صلى الله عليه وسلم، واستعراض قوتهم كفصيل مؤثر في الساحة الإسلامية. واصفًا المناسبة واحتفاءهم بها بأنها معركة سياسية في المقام الأول، ومواجهة بين الحق والباطل.

وفي السطور التالية التفاصيل الكاملة للحوار ...

الصوفية: في البداية نرجو أن توضِّح لنا المقصودَ بالتَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ، ومدى تطابق هذا التعريف مع التَّصَوُّف الطُّرُقِيّ حاليا، وأهم رِجالاته؟

د. إبراهيم هلال: المقصودُ بالتَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ هو التَّصَوُّف الذي أخَذَ وتأثَّر بنظريات فلاسفة اليونان في التطهُّر، والبعد عن الدنيا، والتقشف وتبنِّي خيار العزلة، وكان يقول بذلك أفلاطون وأفلوطين والأخير كان فيلسوفًا لمدينة الإسكندرية حتى الفتح الإسلامي لمصر.

وفي تعريفٍ آخر هو: التَّصَوُّف  الذي يَعْمَدُ أصحابُه لمزج أذواقهم الصُّوفِيَّة بأنظارهم العقلية مستخدمين في التعبير عنه مُصطلحا فَلْسَفِيًّا استمدوه من مصادرَ متعددةٍ. وقد عرَف المسلمون هذا النوع خلال القرنين الثالث والرابع، حيث شهد هذان القرنان بزوغ نجم التَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ وسيطرة أنصاره ورموزه على المشهد الصوفي.

 

الصوفية: مَن أبرز رموز هذا النوع مِن التَّصَوُّف؟

د. إبراهيم هلال: رموز التَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ في مُقدّمتهم الغزالي ومُحيي الدِّين ابْن عَرَبِيٍّ و السُّهْرَوَرْدِيُّ وابْن سَبْعِينَ وغيرهم، وقد تأثر هؤلاء بأفكار عدد من الفلاسفة اليونانيين، وهو ظهر جليًّا في شَطَحَاتهم العَقَدِيَّة لدرجة أن ابْنَ عَرَبِيٍّ المتأثر بأفلاطون قد قال: "إن البُعد عن الحياة وكافة الملذات واتخاذ العزلة طريقا يُوصل إلى الولاية، ثم يترقَّى إلى مرحلة الكشف"، وهو ما حاول إيهام مُرِيدِيهِ به لسنوات طويلة، وإشارته إلى أن التَّصَوُّف درجات؛ فمنهم من يصعد درجة فهو الوليُّ، ودرجات أخرى فيصل إلى مرحلة الكشف، وهي مخالِفة جملةً وتفصيلاً لتعريف الولي في القرآن الكريم: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} [يونس: 62، 63].

 

رَمْزِيَّةٌ غامضة:

الصوفية: بالغ أنصارُ التَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ في الرمزية لدرجة أن هذا التَّصَوُّف صارَ غامِضا وغيرَ مفهوم، ويعتمد على لغةٍ اصطلاحيَّةٍ مُعقَّدَة؛ فلماذا هذا الترميز والغموض؟

د. إبراهيم هلال: كان واضحًا في هذا النوع من التَّصَوُّف تأثرُه بأفكارٍ خارجية يونانية تارةً وفَارِسِيَّة وبُوذيَّة تارةً أخرى رغم محاولات الزعم بأن مُنظِّري هذا النوع من التَّصَوُّف قد أبقَوْا عليه في ثوبٍ إسلاميٍّ، وهي مزاعم ليس هناك ما يؤيدها على أرض الواقع. ويوصف هذا النوع من التَّصَوُّف بالغموض وسيطرة  لغة اصطلاحية خاصة تحتاج إلى جهد جهيد لتفسيرها بحيث يجد المراقب صعوبةً في حسم هويته وهل يمكن اعتباره فلسفةً قائمةً على الذوق أم تصوفًا خالصًا، وهو ما فشل المختصُّون في الوصول لتعريف جامع مانع له.

 

عُزْلة تامَّةٌ:

الصوفية: وهل تحوَّل التَّصَوُّف الفَلْسَفِيُّ من مجرد نظريات في عقول بعض أقطابه إلى طُرُقٍ لها أتباع ومريدون؟

د. إبراهيم هلال: التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ بقِي نظرياتٍ في عقول أقطابه لا يَعترِف به أحد من أبناء التَّصَوُّف الطُّرُقِيِّ السائد حاليا، فهذا التَّصَوُّف المتأثر بأفلاطون وأرسطو وأفلوطون وما أفرزه من نظريات معقدة مثل وَحْدَة الوُجُود والْحُلُول وَالِاتِّحَاد والمَعرِفَة الإشْرَاقِيَّة والفَنَاء الصوفي والحقيقية المُحَمَّدِيَّة وما إلى ذلك من صعوبة إثبات وجود الله الواحد الذي يسميه هؤلاء (العقل الأول) وصولا إلى المقولات الإلحادية: "كلنا الله" و"لا فرق بيننا وبينه"، وهي مفاهيم ونظريات يصعب فهمها وإدراكها ومعرفة دلالتها بين أبناء الطرق الصُّوفِيَّة الذين يعانون ضحالةً فكرية وعَقَدِيَّة لا تجعلهم يدركون أو يرهقوا أنفسَهم في فهم هذه النظريات.

 

الصوفية: في ظلِّ هذا الغموض هل هناك علاقة بين التَّصَوُّفِ الفَلْسَفِيِّ والطُّرُقِيِّ؟ أو بمعني أدق: هل كان هذا النوع الرافد لانتشار الطرق الصُّوفِيَّة في المنطقة؟

د. إبراهيم هلال: المتصوفة هم مَن اخترعوا هذه الطرق، ولا يُعلَم أي علاقة بين التَّصَوُّف الفَلْسَفِيّ القادم من اليونان وشرق آسيا وبين هذه الطرق إلا من جهة أن تلاميذ كل فيلسوف اتخذوه شيخًا لهم وأصبح لهم مريدون وأتباع، وقد يكون هذا هو الأسلوبَ الذي نشأت بموجبه الطرق الصُّوفِيَّة ولعلَّ الفساد العَقَدِيَّ الذي شاب التَّصَوُّفَ الفَلْسَفِيَّ جاء من أن أغلب الفلاسفة الذين تأثَّر بهم أقطابُ هذا النوع من التَّصَوُّف ما كانوا يعرفون الله ولم تصِلْهم دعوةُ الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكانوا يجتهدون في الوصول للعقل الأول والاتحاد به وإذا وصل الشخص منهم إلى العقل استطاع -حسب وجهة نظره- أن يكشف الغيب وأن يعبد الله على طريقته أو ما يطلق عليه (العقل الفعال). بل إن فجورهم العَقَدِيَّ أوصل أحدَهم وهو محيي الدين ابْن عَرَبِيٍّ للقول في كتاب الفتوحات في الجزء الأول: "فرعون إمامي وإبليس أستاذي"، بل إنه امتدح جراءة إبليس في عصيان أوامر الله حين رفض السجود لآدم وقال: خلقته من تراب وخلقتني من نار.

 

بَذْرَةٌ فاسِدَة:

الصوفية: لم يظهرِ التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ في العالم الإسلامي إلا في القرن الثاني الهجري إبَّان الدولة العباسية؛ فما هي الأسباب التي هيأت لهذا النوع من التَّصَوُّف في تلك الفترة؟

د. إبراهيم هلال: الاتصال بالغرب والشرق على حدٍّ سواءٍ خلال الفتوحات الاسلامية سواء في الأندلس أو بلاد فارس والاطلاع على ما كانت تضمه مكتبات هذه البلدان من تراث فَلْسَفِيٍّ لأفلاطون وأرسطو وأفلوطين هو أول من غرَس هذه البَذْرَة في العالم الإسلامي، بل إن الكثيرين من المتخصِّصين في علم التَّصَوُّف يرون أن كلمة تصوف هي كلمة يونانية جاءت من "فيلو صوفيا"، لاسيما أن هذه الكلمة ليس لها أساس في اللغة العربية إلا إذا استسلمنا لتعريف التَّصَوُّف والمتصوفة بكونهم مَن يلبَسُون الصُّوف في عصور الخلفاء الراشدين وبواكير الدولة الأُموِيَّة؛ لما كانوا عليه من التدين والتقشف والزهد بشكل واضح. ويربط البعض بين قيام المأمون بتأسيس بيت الحكمة وازدهار حركة الترجمة للتراث اليوناني وما تلا ذلك من ذيوع المدارس الدينية والفَلْسَفِيَّة بشكلٍ صَبَغَ التَّصَوُّف بِحُلَّةٍ خارجية كرَّست انحرافه العَقَدِيَّ لِمَا تأثر به من أفكار شاذَّة وضالَّة مثل الغُنُوصيَّة والهرمسيَّة وأفكار الشيعة والرافضة المبتدعين.

 

إقْصاءٌ وتَبْدِيع:

الصوفية: في الوقت الذي ظهر فيه هذا النوعُ من التَّصَوُّف كيف كان موقف علماءِ أهل السنة منه ومن دعاته؟

د. إبراهيم هلال: لقد لخَّص شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ موقف علماء أهل السنة والجماعة من هذا الفكر الشاذِّ حين وصفهم بالقول: "ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى، بل كثير من المشركين أحسنُ حالاً منهم وهؤلاء أئمة نظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلُّطهم وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية المعتزلة والرافضة ومَن نحا نحوهم في بعض الأصول الفاسدة؛ فإن هؤلاء اشتركوا هم وأولئك الملاحدة في أصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل"([1]). وهي قاعدة ينبغي أن يتعامل بها أهل السنة والجماعة مع هذه الضلالات والشَطَحَات عبر فكر الإقصاء؛ فهؤلاء لا يجدي معهم الحوار ولا محاولات الإصلاح.

 

الصوفية: تعدَّدت النظريات التي أفرزها التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ فما هي أبرز هذه النظريات؟

د. إبراهيم هلال: التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ في مجمله أفكار فَارِسِيَّة وبوذية لا علاقة لها بالأديان السماوية جملةً وتفصيلاً، وجاءت ثمرةً لأفكار وتيارات الإشراق والغُنُوصيَّة والحلول والأفلاطونية مبتعدةً كلَّ البعد عن الوحي، ومِن ثَمَّ فقد جاءت جميع النظريات في ثوبٍ إلحاديٍّ ومخالفٍ لكل الثوابت الشرعية فهي مَن قالت بالحلول، والاتحاد، ووَحْدَة الوُجُود، والفيض والحقيقة الباطنيّة والفَنَاء.

 

مَنْبَعٌ واحِدٌ:

الصوفية: لم تتحدَّثْ عن نظرية وَحْدَة الأديان التي اخترعها الحلاج رغم أنها من أبرز نظريات التَّصَوُّفِ الفَلْسَفِيِّ ؟

د. إبراهيم هلال: وَحْدَةُ الأديان ليست نظريةً، إنما هي من تداعيات نظرية وَحْدَة الوُجُود والحقيقة المُحَمَّدِيَّة؛ فالحلاج رأى أن الأديان كلها آتيةٌ مِن منبع واحد بل إن الشعائر التي يؤديها المسلمون حاليا تعد استمرارًا لعبادات أصحاب الرسالات السابقة، وهي في الحقيقة وطبقا لوجهة نظره، وسائطُ للوصول للحقيقة الإلهية، بل إن أحدهم ادَّعى أن الائتلاف بين الأنبياء لم يكن إلا في المظهر الخارجي أما في الحقيقة فإنه رسولٌ واحد بُعث إلى العالمين في أزمنة مختلفة وفي مظاهر جسمانية متباينة كي يعلن للناس إرادةَ الله وينبئهم بمشيئته، وهي الأقوال التي كانت مقدمة لتجلِّي نظرية الحقيقة المُحَمَّدِيَّة التي هي الأساس لوَحْدَة الأديان، فمحمد – صلى الله عليه وسلم- كان نبيَّ كلِّ عصر وزمان منذ خَلَقَ الله آدم ولكن بصورة مختلفة وفي أشكال متباينة ولكن برسالة واحدة وهي أقوال مخالفة لما هو معلوم من الدِّين بالضرورة تُخرِج القائل والمؤمن بها من حَوْزَة الإسلام.

 

تحريفٌ وشَطَط:

الصوفية: لكن مَن يروِّجون لهذه النظرية يرون أن هناك أدلة من القرآن الكريم تؤيد ما ذهبوا إليه مِن وَحْدَة الأديان ؟

د. إبراهيم هلال: إذا كنت تقصد الآية التي في سورة الأنعام: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وآية سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285]، والحديث النَّبَوِيّ: «الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ»([2]فإن هذه الآيات تفرض على المسلم الإيمان بجميع الأديان والرُّسُل كونها آتيةً من مصدر واحد، ولكن مع الإقرار بوقوع التحريف في كثير من الرسالات السماوية والكتب الإلهية وهو ما أكده قرآننا الكريم، ولكن ما نُسب للحلاج من آراء في هذا المجال لا تطابق العَقِيدَةَ الإسلامية الصحيحة وينبغي إنكارها وفضحها على رءوس الأشهاد وعدم القبول بأي تأويل لها.

 

الصوفية: هل تجدون رابطًا تاريخيًّا بين القول بوَحْدَة الوُجُود، والدعوة إلى ما يُسمَّى بوَحْدَة الأديان في العصر الحديث؟

د. إبراهيم هلال: لا أرى الدعوات لوَحْدَة الأديان والحوار بينها ومحاولة الوصول إلى تقارب بين الأديان خلال اجتماعات عُقدت في الفاتيكان والأزهر الشريف ولم تحقِّق أي نتائج، لا أراها ذات أهمية، بل العكس تماما زادت الإساءات من جانب الأديان الأخرى ضدَّ الله سبحانه وتعالى، ورسوله الكريم صلي الله عليه وسلم، وأظن أن نظرية وَحْدَة الوُجُود والحديث عن رسالة واحدة ونبيٍّ واحد وَفْقَ أشكال وطباع مختلفة هو مَن حرَّك الدوائر الغربية لإعادة ضخِّ الدماء في عروق أفكار ابْنِ عَرَبِيٍّ والحلاج والاستمرار في الاحتفاء بها بأشكال مختلفة باعتبارها خنجرًا مسمومًا في خاصِرةِ الأمة الإسلامية.

 

الصوفية: ما ذهبتَ إليه في السابق يشير إلى أن التَّصَوُّفَ الفَلْسَفِيَّ أحدُ أهم نتائج التأثر بالتراث اليوناني والفَارِسِيِّ .. فإلى أي مدي تأثر التَّصَوُّف بتلك الفلسفة الوثنية؟

د. إبراهيم هلال: لقد كانت أفكار أفلاطون وأفلوطين وغيرها أهم  المنابع التي استقى منها الصُّوفِيَّةُ عمومًا وأقطاب التَّصَوُّف الفَلْسَفِيّ خصوصًا آراءهم، وكان انفتاح العرب والمسلمين على هذه الأفكار محطةً هامةً في التغير الذي طرأ على التَّصَوُّف حيث تحوَّل من الزهد والتقشف والعزلة النظرية إلى علم دقيق وقواعد منظمة وتعريفات، وكانت هذه المحددات هي النبعَ الذي أخذ عنه رموزُ التَّصَوُّف الفَلْسَفِيّ مثل: الغزالي وابْن عَرَبِيٍّ وابْن سَبْعِينَ أفكارهم، بل إن نظرية  وَحْدَة الوُجُود في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كانت حجر الزاوية في النظرية التي سيطرت على أقطاب هذا التيار وعلى سائر المتصوفة بشكل عام فقد اعتقد سادتهم -وفي مقدمتهم ابْنُ عَرَبِيٍّ- ومَن جاء بعدهم أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذاتُ الله فيها إلا أن المرايا كلها ظاهرة والوُجُود المطلق والوُجُود الحقيقي هو الله. في هذه المقام سيطرت اليونانية وأفكار أفلوطين كذلك على النظرية الإشْرَاقِيَّة التي يعد السُّهْرَوَرْدِيّ المقتول أبرز رموزها.

 

شَطَحَاتٌ فاسِدَة:

الصوفية: إذا كان هذا الأثر واضحا فما هي أوجه الالتقاء بين فكر المتصوفة والتراث اليوناني والفَارِسِيِّ, وإلى أي مدى تأثر التَّصَوُّفُ الفَلْسَفِيُّ بتلك الفلسفات الوثنية؟

د. إبراهيم هلال: بالطبع فالأثر اليوناني والبوذي وحتى المسيحي واليهودي والغُنُوصي ظاهرٌ بشدة في هذه النظريات التي جادت بها قريحة رموز التَّصَوُّف الفَلْسَفِيّ وليس أدلَّ على ذلك من قول أفلو طين: "إني ربما خلوتُ بنفسي وخلعتُ بدني جانبًا وصرت كأني جوهر متجرِّد بلا بدن؛ فأكون داخلا في ذاتي، راجعًا إليها، خارجًا من سائر الأشياء، فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا، فأرى في ذاتي من الحُسن والبهاء والضياء ما أبقى له مُتعجبا بهتا". بل إن الشَطَحَات التي قال بها ابْن عَرَبِيٍّ وابْن سَبْعِينَ والسُّهْرَوَرْدِيّ كانت ترجمة واضحة لما اكتسبوه من الفلسفات الواردة، وكانت منبع نظرية الحلول عند الحلاج والإشراق عند السُّهْرَوَرْدِيّ المقتول، ووَحْدَة الوُجُود عند ابن عربي، وقد قال بتأثر الصُّوفِيَّة بالمتفلسفة قدماءُ ومحدثون ومستشرقون وأكاديميون ومنها الإمام ابْن تَيْمِيَّةَ والمستشرق نيكلسون وعبد الرحمن بدوي وأبو الوفا التفتازاني وغيرهم.

 

وثنيٌّ مجوسي:

الصوفية: يعتبر السُّهْرَوَرْدِيّ المقتول من متفلسفة الصُّوفِيَّة, ما هي أبرز  نظرياته, وما الجديد الذي أضافة للفكر الصوفي؟

د. إبراهيم هلال: بالفعل، السُّهْرَوَرْدِيّ من رموز التَّصَوُّفِ الفَلْسَفِيِّ وكانت له إسهاماته في الترويج لهذا النوع من التَّصَوُّف عبر مؤلفات عديدة منها "حكمة الإشراق" و"كتاب اللمحات"، و"كتاب التلويحات"، و"كتاب المقاومات" و"كتاب المطارحات"، وهي مؤلفات يسيطر عليها المنهج الأرسطي المشائي بل وكانت أفكاره خليطًا من الأفكار الوثنية والفَارِسِيَّة، ويجمع كتاب التلويحات اللوحية والعرشية بين صفحاته مزيجاً غريباً، يضم مواضيع الميتافيزيقا، أي ما بَعْدَ الطبيعة، والتَّصَوُّف الفَارِسِيّ، وبعض المبادئ المتعلقة بالعلوم الفَلْسَفِيّة عامة فضلا عن رمزية شديدة تغيب فيها مختلف الأقيسة العقلية والمنطقية وتجمع ما بين الذوق الصوفي والاشتغال الفَلْسَفِيِّ، وهي رمزية صعَّبَتْ على العامة فهمَ أفكاره؛ فبقيت حِكْرًا على خاصة الخاصة من الصوفيين المحترِقين.

 

نزعة شيفونية:

الصوفية: تعد  الفلسفة الإشْرَاقِيَّة من أهم النظريات التي وضعها السُّهْرَوَرْدِيُّ متأثرا بالتراث المجوسي فهل تُلقي لنا الضوءَ عليها؟

د. إبراهيم هلال: كان يرى أن الشمس في وقت إشراقها لا معني لها إلا حضور الإلهي في الدنيوي، وما تجلي عن ذلك لديه من أن جهة الشرق جغرافيًّا هي بلاد فارس والتي تمثل المقدس الطاهر؛ لذا فإن الغروب المكاني للشمس والانتقال جغرافيا إلى النصف الغربي من العالم يعني غياب المقدس وبزوغ المتدنس  ومن ثَمَّ فإن بلاد الغرب لا تعني لديه إلا رمز الانحطاط والدَّنَس التي يجب على كل من يؤمن بهذه النظرية النأي عنها والهجرة منها والانتقال إلى الشرق، وهي نظرية تؤكد نزعة شيفونية وعنصرية للأصل الفَارِسِيِّ، ويهدف إلى الجمع بين النور المحمدي -نسبة إلى الرسول صلي الله عليه وسلم- والنار المجوسية الفَارِسِيّة دون أن يكون لها دلائل مؤيدة لما ذهب إليه في الواقع بل إنها تخالف كنه الله وصفاته ولم يقُلْ بها أحدٌ من الأقدمين أو المحدثين.

 

الصوفية: وهل قُتِلَ بسبب نظرياته الصُّوفِيَّة وفي مقدمتها الإشْرَاقِيَّة ؟

د. إبراهيم هلال: كانت هناك أيضًا نظريات عديدة للسُّهْرَوَرْدِيّ منها نظرية الفيض غير أن نظرية الإشْرَاقِيَّة كانت السبب الرئيسي في إثارة غضب العلماء , حيث اعتبروه ممثلاً لعَقِيدَة القرامطة المنحرفة فعقدت له محاكمة انتهت بقتله فما كان من صلاح الدين الأيوبي إلا الانصياع لما ذهب إليه الفقهاء وإنزال حكم القتل به بل إنه أمر الظاهر الأيوبي واليَه على حلب بتنفيذ حكم القتل وإلا عزَله من منصبه، لاسيما أن الفقهاء اتهموه بالكفر البواح وهو ما رضخ له الوالي في النهاية رغم صداقته بالسُّهْرَوَرْدِيّ.

 

الصوفية: الحقيقية المُحَمَّدِيَّة من أهمِّ النظريات التي عكست تطورًا في الفكر الصوفي فهل تُلقي لنا الضوءَ عليها؟.

د. إبراهيم هلال: من المهم التأكيد على أن نظرية الحقيقة المُحَمَّدِيَّة لم يقُل أحدٌ بها خلال القرنين الأول والثاني الهجري وإلى أن انتشرت الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس والانفتاح على التراث اليوناني والفَارِسِيِّ في القرن الثالث وكنتيجة لتطور نظرية الحبِّ الإلهي التي قالت بها رابعة العدوية واستند فلاسفة الصُّوفِيَّة ومن بينهم الحلاج في "الطواسين" إلى تعسف في تفسير أحاديث نبوية منها: «أول ما خلق الله نوري»([3]وقوله صلي الله عليه وسلم: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدُمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ»([4])، حيث شدد  الحلاج  على أن للرسول حقيقيتيْنِ الأولى قديمة وهي النور الأزلي، والأخرى حديثة وهي الرسالة النَّبَوِيَّة، بمعنى أن محمدًا كان نبيا لكل الأقوام منذ خلق الله آدم ولكن عبر رسالات وأوصاف مختلفة.

 

الصوفية: في ظل التطور الذي شهدته ساحة التَّصَوُّف الفَلْسَفِيِّ  ما هو أثر مدرسة ابن مَسَرَّة في التَّصَوُّف؟

د. إبراهيم هلال: هذه كانت مدرسةً بمعني الكلمة لتخريب العَقِيدَة الإسلامية ونشر الضلالات؛ فقد كان لابن مسرة تلاميذ وأتباع ومريدون، فهذه المدرسة التي نشأت في المغرب العربي وانتقلت إلى الشرق يوم أن تحولت عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد إلى بؤرة التَّصَوُّف في القرن الخامس. ولعل النشأة الأندلسية لهذه المدرسة هي سببُ عدم تحقق الشهرة المناسبة لها فضلا عن أن ابن مسرة كان بارعا في توظيف التَّقِيَّة لخدمة أفكاره المشبوهة، ولا نكون مبالغين حين نؤكد أنه أول مَن تحدَّث في نظرية وَحْدَة الوُجُود، بل إن البعض كان يصفه بمُلهِم ابْن عَرَبِيٍّ ؛ ولذلك نُوصي بضرورة فحص مؤلفاته بدقة إذا كان هناك حِرْصٌ على فهم أفكار ابْن عَرَبِيٍّ وبيان المصدر الرئيس لها.

 

إسماعِيليَّةٌ باطنيَّة:

الصوفية: تبنت هذه المدرسة جميع الأفكار الضالَّة وسَعَتْ لنشرها في أوساط المسلمين ؟

د. إبراهيم هلال: كانت المهمة الرئيسية لمدرسة ابن مسرة هي الترويج للفكر الإسماعيلي الباطني، بل إنها كانت الشرارة الأولي للشَطَحَات العَقَدِيَّة لابْن عَرَبِيٍّ والحلاج وغيرهم، بل إن خطورته أن تلاميذه ومريديه استمروا في الترويج لضلاله؛ مما زاد من خطورة أفكاره التي قال بكفرها أغلب فقهاء عصره بشكل أدى إلى انصراف الناس عنها في مرحلة تالية. إذن ابن مسرة هو نقطة البداية في هذا الخطِّ المدمِّر الرهيب في العَقِيدَة الإسلامية، ومركز الانطلاق لكل القائلين بوَحْدَة الوُجُود.

 

الصوفية: إذا كنا نتحدث عن الفكر الضال فلا شكَّ أن أبا اليزيد الْبَسْطَامِيَّ قد خطَّ لنفسه مقامًا رفيعًا في هذا الإطار، فنرجو إلقاء الضوء عليه.

د. إبراهيم هلال: فكر أبي يزيد الْبَسْطَامِيّ وأقواله كفر بواح ومخالفة لما هو معلوم من الدِّين بالضرورة وافتئات على الله عز وجل، فكتابه "المجموعة الصُّوفِيَّة الكاملة" تضمن أقوالا كفرية وفي مقدمتها: "لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة"، و"إن بطشي أشدُّ من بطش الله ألف مرة"، و "سبحاني وما أعظم شأني"، و"أنا ربي الأعلى"، و"أراد موسى عليه السلام أن يرى الله تعالى وأنا ما أردت أن أرى الله، هو أراد أن يراني". وهي أقوال لا تقبل أي تأويل كما حاول بعضُ غلاة الصُّوفِيَّة إخراجها من سياقها الكفري والزعم بأنه كان هائما على وجهه خصوصا أن مجموعة الأقوال هذه قد لحقت بها أقوال وآراء بها جراءة على الله، منها: "أسالك ألا تحجب الخلق بك عنك وتحجبهم عنك بي، إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون"، و"أنا اللوح المحفوظ"، و"أنا لا أنا أنا أنا، لأني أنا هو، أنا أنا هو هو"، و"إني جمعت عبادات أهل السماوات والأرَضِين السبع فجعلتها في مخدة ووضعتها تحت خدي"، و"تالله إن لوائي أعظم من لواء محمد .. لوائي من نورٍ تحته الجان والجن والإنس كلهم من النبيين". وأنا من هنا أشدِّدُ وأطالب عموم المسلمين بعدم الانخداع بما يثيره البعض عن المحاجَّة بين الْبَسْطَامِيِّ وأحد الرهبان، فهذه جزء من حملات العلاقات العامة التي يلجأ إليها الصُّوفِيَّة لتبييض وجوههم أمام العامة، خصوصا أن أغلب آراء الْبَسْطَامِيّ تحمل صبغة وثنية ملحوظة، ومنها نظرية الفَنَاء في الله والمستقاة بالكامل من نظرية نرفانا البوذية.

 

عَقِيدَةُ الواحِدية:

الصوفية: نظرية الفَنَاء في الله ابتدعها أبو يزيد الْبَسْطَامِيّ، ما أبرز ما ورد فيها من مخالفات عَقَدِيَّة؟

د. إبراهيم هلال: أبو يزيد الْبَسْطَامِيّ  كان من أوائل من روَّجوا لنظرية الفَنَاء الصوفي مستقيًا هذه النظرية من الديانة البوذية وعَقِيدَةِ الواحدية، وهي ببساطة تعني الاتحاد بذات الله، أي أن المريد وبعد استغراقٍ في التأمل ومراقبةٍ لذات الله يستطيع أن يتوحد مع الله ويصل إلى رتبة تشمل المراقِبَ والمراقَبَ -تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًّا كبيرًا، ولكنْ هناك أمرٌ يجب التشديد عليه وهو أن نظرية الفَنَاء هي نظرية فَلْسَفِيّة في المقام الأول وتقوم على بُعدَيْنِ الأول أخلاقي نفسي تبتعد فيه الرُّوحُ عن جميع لذات الجسد وعن شهوات ولذات الحياة، والثاني عقلاني ينصبُّ كل تفكير المريد في ذات الله وينصرف عن كل الموجودات.

 

الصوفية: تعكس هذه الأقوال نوعًا من الازدواجية فكيف يمكن فهمُها في هذا الإطار؟

د. إبراهيم هلال: لعلَّ هذا الازدواج هو مصدرُ الصعوبة، فكما قال بعضهم إن مَن يصل إلى هذه الحالة من الفَنَاء لا يشعر بأيِّ شيءٍ لا يكترث حتى لو ضُرِبَ بالسيف على جسده، وهذه النظرية -وبحسب إجماع أهل العلم- يكْفُر مَن يقول بها أو من يدَّعي أن الخالق القديم والمخلوق الحادث شيءٌ واحد أو مَن زعم أن الألوهية تمتزج بالبشرية أو العكس، فالله متفرد بذاته وصفاته عن ذات الخلق ولا يمكن لأحد أن يشبهه.

 

الصوفية: وبإيجازٍ ما هي أبرز المخالفات الشرعية التي وقع فيها من تبنَّوْا هذه النظرية الفَلْسَفِيَّة؟

د. إبراهيم هلال: مَن يقولون بهذه النظرية يُنكرون الوحي، ولا يؤمنون بالبعث والنشور، ولا بالحساب ولا بيوم القيامة، بل ويُسقطون الفرائض من صوم وصلاة وزكاة فكيف يحاسب اللهُ العباد، وقد توحد الخالق والمخلوق فهذا إنكار لما هو معروف من الدين بالضرورة.

 

خداع ونفوذ:

الصوفية: يحتفل العالم الإسلامي خلال الأسابيع القادمة بالمولد النَّبَوِيِّ, لماذا يُبدي الصُّوفِيَّةُ اهتمامًا بهذه المناسبة؟ وهل يتعلق الأمر بمحبةِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أمْ بالحقيقة المُحَمَّدِيَّة ؟

د. إبراهيم هلال: الاحتفاء المبالغ فيه بالمولد النَّبَوِيِّ له بُعْدانِ؛ أحدهما يتعلق بإطراء غالبية الصُّوفِيَّة على الرسول صلي الله عليه وسلم وإيصاله إلى هالة من التقديس والتأليه، وهو أمر منهيٌّ عنه في القرآن والسنة النَّبَوِيّة، وحديثه صلي الله عليه وسلم:  «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ»([5]فضلاً عن إيمان قطاع ضيِّقٍ من رموزهم بالحقيقية المُحَمَّدِيَّة المخالفة لعَقِيدَة أهل السنة والجماعة، بالإضافة إلى البعد السياسي لهذه المناسبة، فهم يقدِّسونه كجزء من استعراض قوتهم وانتشارهم في البلدان الإسلامية ومدى النفوذ الذي يتمتعون به، وكذلك الترويج لأنفسهم بأنهم من محبي الرسول صلى الله عليه وسلم للتغطية على مخالفاتهم الشرعية.

 

خِلافاتٌ جَوهَرِيَّة:

الصوفية: في هذا السياق يرى البعض أن الخلاف بين أهل السُّنة والصُّوفِيَّة فقط يتعلق بالبدع والموالد والأضرحة. فهل ترى أن الخلاف قاصرٌ على هذا الأمر فقط أما أنه أعمقُ من ذلك؟

د. إبراهيم هلال: لا بالطبع، هذه مجافاة شديدة للحقيقة؛ فالخلاف بين الصُّوفِيَّة وأهل السنة والجماعة خلافٌ عَقَدِيٌّ واضح يتعلَّق بذات الله وصفاته وببشرية الرسول -صلي الله عليه وسلم- كونه عبدًا ورسولاً، ويتعلَّق بالموقف من أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحَجٍّ ... أعمال تخرجهم عن الملة كالتي يُسقط غلاتُهم عن الأولياء ومَن وصلوا لمرحلة الكشف...؛ لذا فالخلاف مع هؤلاء عَقَدِيٌّ في المقام الأول، ناهيك عن الانخراط في البدع وتقديسهم للقبور والأضرحة وتورطهم في أمور شركية مثل التبرك والتوسل بغير الله. لا، فالخلاف بيننا وبينهم عميق، وليس قاصرًا على الأضرحة والمقابر، كما يزعمون. العزل هو السبيل الوحيد معهم فلا أمل في إصلاحهم أو تعديل مسارهم.

 

حصان طروادة:

الصوفية: تصاعدت خلال الأعوام الماضية محاولاتُ الشيعة لاستخدام  الطرق الصُّوفِيَّة كقنطرة لنشر مذهبهم في المجتمعات السُّنية؟

د. إبراهيم هلال: لا يوجد للشيعة في المجتمعات السنية حليفٌ يستطيعون الاستناد عليه في تنفيذ مخططاتهم الجَهَنَّمية لاختراق المجتمعات السنية، فجميع القوي الإسلامية التي لها نوافذ حوار مع الشيعة لا تستطيع تحمُّل تبعات التحالف معهم وإلا ووجِهَتْ بحالة من النَّبْذ في ظلِّ المد السلفي المنتشر في هذه المجتمعات، فضلا عن أن الشيعة يستغلون نقطتين في غاية الأهمية: حالة العزلة التي تعاني منها الطرق وتراجع عدد المقبلين على الانخراط في صفوفها، ونقص الإمكانات المادية والتمويل لديها؛ للنفاذ إليها واستخدام مقراتها كقنطرة للترويج للتشيع دون أن تلفت الأنظار مستفيدة من الصلات الوثيقة التي تربط بين الطرق الصُّوفِيَّة والأجهزة الرسمية في هذه البلدان ناهيك عن أن الشيعة قد نجحوا خلال الأعوام الماضية في بناء شبكة علاقات مع رموز صوفية عبر إغداق الأموال عليهم وتوجيه دعوات لزيارة "قُم" والمراقد محاولين الترويج لمسألة حبِّ آل البيت لاستخدامها كـ"حصان طروادة" لتحقيق أجندتهم الخبيثة.

وفي ختام حوارنا هذا نتقدًّمُ بخالص شكرنا للدكتور إبراهيم هلال على ما أفْسَحَ لنا من وقته، وأمتعنا من واسع علمه، وبذل لنا من جميل نُصحه، سائلين اللهَ تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن ينفع بطيِّب كلماته.

 

 



([1]) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 523)، طـ دار المعرفة – بيروت.

([2]) رواه مسلم في صحيحه برقم (2365)، طـ محمد فؤاد عبد الباقي.

([3]) أورده العجلوني في "كشف الخفاء" (827)، واللكنوي في "الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (1/ 42)، وعزاه كلاهما إلى "مصنف عبد الرزاق"، وليس فيه، وقال السيوطي في "الحاوي في الفتاوى" (1/479): "ليس له إسنادٌ يُعتمد عليه".

([4]) أورده السخاوي في "المقاصد الحسنة" (1/521) وقال: لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: هذا اللفظ كذب باطل - كما في أحاديث القصاص (87)، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم 302): موضوع.

([5]) رواه البخاري في صحيحه برقم (3445).

 



أعلى  
 
يستدل الصوفية على سماع الأموات وعلمهم بحال الأحياء بعد وفاتهم، بحديث (حياتي خير).
يستدل الصوفية على جواز التوسل بالذوات، بحديث باطل لا تجوز روايته فضلاً عن الاستدلال به.
اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم عند الغلاة برؤيته بعد موته في الحياة الدنيا يقظة لا...
يستدل الصوفية في قوله تعالى: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً}، فيكون اتخاذ...
نظرات في كتاب علموا اولادكم محبة النبي تأليف/ الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
اشتراك
انسحاب