الرئيسة - الاحتفال بالمولد النبوي - الاحتفال بالمولد ( من كتاب الأعياد وأثرها على المسلمين )
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

من كتاب الأعياد وأثرها على المسلمين

** للسحيمي **

 

وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: نشأته وأول من أحدثه.

المطلب الثاني: صور الاحتفال بالمولد.

المطلب الثالث: المنكرات التي تحصل في المولد.

المطلب الرابع: الشبه التي اعتمد عليها من قال بالاحتفال بالمولد وردها.

المطلب الخامس: دعوى أن ترك الاحتفال بالمولد ينافي محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

المطلب السادس: في حكم الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.

* المطلب الأول *

- نشأته وأول من أحدثه في الإسلام -

 

أولاً: أصل المولد ونشأته:

من أعظم المواسم المبتدعة التي يحتفل بها كثير من المسلمين، الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، بل هو الأصل في تلك المواسم والاحتفالات الأخرى إلى تتخذ للأولياء والصالحين والآباء والأبناء، والموالد ظاهرة اجتماعية عرفتها المجتمعات منذ زمن بعيد، ولم يكن الاحتفال بالموالد مقتصراً على المسلمين، أو على مجتمع دون مجتمع، بل كانت ظاهرة الاحتفال بالموالد معروفة من زمن العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، فكان الفراعنة واليونان يحتفلون بالآلهة ويجعلون عيداً لظهورها، وكذلك سائر الأديان الأولى.

ثم انتقل ذلك إلى المسيحية فكانوا يحتفلون بالموالد وأهم الموالد عند النصارى ميلاد المسيح عليه السلام، حيث يتخذونه عيداً فتعطل فيه الأعمال ويجعلونه يوم فرح وسرور، وذلك يإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل المنكرات من شرب خمور وفعل فاحشة وغير ذلك من المهازل والقبائح.

ثم جاء بعض المنتسبين للإسلام فأخذوا يوم مولده صلى الله عليه وسلم عيداً مضاهاة للنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عليه السلام عيداً، فضاهوا النصارى فيما يفعلونه في هذا اليوم فأصبح يوم فرح وسرور وعيد يتكرر كل عام بمراسمه الخاصة.

من هنا كان أصل الاحتفال بالمولد النبوي وفي ذلك يقول السخاوي: [إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإســلام أوْلى بالتكريم وأجدر].

فهذا نصٌ في المشابهة: وهو أن الاحتفال بالمولد النبوي أصله مأخوذ من النصارى ومن تشبه بقوم فهو منهم.

وهو تحقيق لقوله صلى الله عليه وسلم: {لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعا بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب تبعتموهم} . فهذا هو أصل المولد ونشأته.

 

ثانياً: أول من أحدث المولد في الإسلام:

أجمع العلماء المنكرون لبدعة المولد والمؤيدون لها على أنه لم يحتفل وسط بمولده ولم يأمر بذلك، ولم يحتفل صحابته ولا التابعون لهم، ولا تابعوا التابعين الذين هم خير الناس وأحرص الناس على اتباع سنته صلى الله عليه وسلم، ومضت القرون الثلاث التي شهد لها صلى الله عليه وسلم بالأفضلية على تلك الحالة لم يحتفلوا بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعرفوا ذلك.

فلما كان أواخر القرن الرابع الهجري وقامت الدولة الفاطمية في مصر ظهر الاحتفال بالمولد النبوي لأول مرة في تاريخ الإسلام.

كما نقل ذلك المقريزي في خططه حيث ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يحتفلون بها ويتخذونها أعياداً في طوال السنة يوسعون فيها على الرعية، ويعظمون فيها العطاء والهبات.

وهي تربو على عشرين موسماً وعيداً كما تقدم بيانها منها الموالد الستة التي ابتدعوها وأحدثوها وهي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم ومولد الخلفية الحاضر. وكانت لهذه الموالد رسوم خاصة يفعلها الخليفة ويحتفل بها الشعب. وقد نص على ذلك أيضاً القلقشندي وهو قول جماعة من المتأخرين.

وهناك قول آخر: وهو أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي هو صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، كما نص على ذلك السيوطي.

وجاء عن أبي شامة قوله: إن من أحسن ما ابتدع في زمانه ما كان يفعل في مدينة إربل من الاحتفال بالمولد النبوي، وكان أول من فعل ذلك بالموصل، الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل.

وعلى هذا يكون إحداث المولد في القرن السادس، أو السابع الهجري.

وهذا القول مرجوح، فإحداث الملك المظفر للمولد في مدينة إربل لا ينافي هذا من أن أول من أحدثه في القاهرة الخلفاء الفاطميون من قبل ذلك، فإن الدولة الفاطمية قد انقضت بموت العاضد سنة (567هـ)، وما كانت الموالد تعرف في دولة الإسلام قبل ذلك.

وما ذكره أبو شامة من أنه اقتدى بفعل الشيخ عمر بن محمد الملا، وهو أول من أحدثه لا يمنع أن يكون عمل المولد تسرب إليه من الفاطميين، لاسيما وأنهم قد استولوا على الموصل سنة (347هـ) هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى فقد قيد أبو شامة تلك الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر غالملا..).

وهذا يتبين للقارئ أن أول من ابتدع الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من الموالد الدولة الفاطمية، كما نطقت بذلك كتب التاريخ والسير.

فعليهم تبعه ذلك، حيث جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها}.

وأخذ عنهم عمر الملا، وأول من أحدثه في إربل الملك المظفر في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع.

وسواء كان أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الفاطميون في القرن الرابع، أو صاحب إربل في القرن السابع، فالبدعة في الدين مرفوضة ولا تقبل من أحد لا في عصور متقدمة ولا متأخرة فهي مردودة على صاحبها كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

* المطلب الثاني *

- صور الاحتفال بالمولد -

جرت عادة كثير من المسلمين بعد القرون المفضلة، أن تحتفل في شهر ربيع الأول في يوم الثاني عشر منه من كل عام بذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد اختلفت أساليبهم في الاحتفال؛ هذه الذكرى باختلاف البيتات والبلدان والغنى والفقر كل بحسب حاله لهذه تنوعت صور الاحتفال ولم تكن على نمط واحد. فمنهم من يعدون في هذه المناسبة طعاماً خاصاً تجتمع الأسرة من حوله في هذه الليلة- أعني ليلة الثاني عشر من ربيع الأول - فرحة مسرورة حول مائة واحدة.

ومنهم من يحتفل بأصناف من الحلوى ذات أشكال وصور مخصوصة يصنعها الباعة لتلك المناسبة تعرف بحلوى المولد، والتي تعرض في الأسواق في ذلك الوقت.

ومنهم من يجتمعون حول المنشدين ليسمعهم قصة المولد الشريف، وهذه هي الصفة السائدة في المجتمع الإسلامي اليوم، وصفة الاحتفال بذلك أن يكون عبارة عن اجتماع في أحد المساجد، أو الميادين المعدة لذلك، أو أحد بيوت الأغنياء، ويكون الاستعداد لذلك من بداية شهر ربيع الأول إلى اليوم الثاني عشر منه في كل عام، فيجتمع من أراد الحضور إلى هذا المكان، فيبدأ بقــراءة بعض آيات القرآن الكريم، التي جاء فيها ذكره صلى الله عليه وسلم.

ثم يتناولون قراءة جانب من سيرته صلى الله عليه وسلم وما لاقاه في بداية حياته صلى الله عليه وسلم، وبيان نسبه الشريف من خلال ما هو مدون في قصة المولد المعروف، والمشتملة على بعض الشمائل الطاهرة الخلقية منها والخُلقية، حتى إذا جاء ذكر مولده، قام الجميع إجلالاً وتعظيماً وترحيباً بمقدمه صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول البرزنجي: (هذا وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمة ذو رواية وروية، فطوبى لمن كان تعظيمه صلى الله عليه وسلم غاية مرامه ومرماه).

بل قد أوجب بعضهم القيام، وفي ذلك يقول المناوي في مولده ما نصه: (ويجب معشر الحاضرين والسامعين القيام عند ذكر مولده الشريف تعظيماً لقدوم ذاته البهية، فيا سعادة من وقف تعظيماً له على الأقدام).

مرددين بعض أبيات الترحيب لقدومه صلى الله عليه وسلم، كقوله القائل:

أشرقت أنوار محمد                  واختفت منها البدور

أو:

صلاة ربي ذي الجـــلال          على نور الهدى باهى الجمال

أو:

مرحباً يــا مرحباً يا مرحباً            مرحباً جد الحسين مرحبــا

يا نبى سلام عليك                   يا رسول سلام عليك

ثم بعد ذلك يواصلون قراءة قصة حياته صلى الله عليه وسلم، وعلى شكل مقاطع يتخللها قولهم:

مولاي صل وسلم دائماً أبداً         على حبيبك خير الخلق كلـهم

ويندب لقراءة هذه القصة شاب حسن الصوت، فيترنم بالمدائح والأشعار المشتملة على الغلو والإطراء كقصيدة البردة، أو غيرها من القصائد المشتمل بعضها على الشرك والعياذ بالله.

ثم بعد ذلك يتناول ما أعد لهذه المناسبة من طعام، وهم يعتقدون أنهم قد تقربوا إلى الله تعالى بأعظم قربة، ويتضح ذلك جلياً في دعاء ختم المولد، والذي يرددونه في نهاية هذه المناسبة راجين من الله قبول ذلك العمل، فمن هذا الدعاء قولهم: (اللهم إنا قد حضرنا قراءة ما تيسر من مولد نبيك الكريم فأفض اللهم علينا خلع القبول والتكريم، واسكنا بجواره في جنات النعيم..).

وجاء في دعاء ختم مولد الديبع: (واغفر اللهم بجاهه لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولمعلمينا وذي الحقوق علينا ولمن أجرى هذا الخير في هذه الساعة).

بل قد نص الميرغني على قبول الدعاء فقال: (وأنه يستجاب الدعاء عند ذكر الولادة وعند الفراغ منه فنسأل الله الغفران).

وهذا الدعاء يختم الاحتفال بالمولد النبوي ويقوم بعض الأغنياء بتوزيع بعض الأموال على الفقراء الذين حضروا تلك المناسبة راجياً من الله مضاعفة أجر هذه الصدقة، ولاسيما أنها أتت عقب عمل صالح في زعمهم، ثم بعد ذلك ينقض ذلك الاجتماع.

فهذه الصورة هي أمثل صورة للاحتفال بالمولد عندهم وهي التي في زعمهم لم يكن فيها اختلاط ولا غناء ولا ضرب دف، والذين يفعلون مثل ذلك الاحتفال يزعمون أنهم ملتزمون ومحافظون على المشروع من الاحتفال وذلك لمنعهم إدخال الباطل والمنكر فيه، متناسين أبيات الشرك والغلو التي يرددونها كل حين. وحقا أن الهوى يعمي ويصم فالله المستعان.

ولا يقتصر الاحتفال بالمولد على إقامة حفلة في الثاني عشر من ربيع الأول فحسب بل إن هناك صوراً من الاحتفال بالمولد النبوي، وذلك من خلال عقد الندوات والمحاضرات التي تنشر في وسائل الإعلام المختلفة المسموعة منها والمرئية والمقروءة، فتفتتح تلك الندوات والمحاضرات بتلاوة آيات من الذكر الحكيم يحرص قارؤها على أن تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)).

ثم يتناول أصحاب المحاضرة، أو الندوة سيرته صلى الله عليه وسلم وما لقيه في هذه الحياة، ويكون ذلك العمل ابتداءً من ربيع الأول من كل عام.

ومن العجيب والغريب أن المغنين والمغنيات والمطربين وأرباب الفجور يحتفلون بمولده صلى الله عليه وسلم فيحيون تلك الليلة بالغناء والسهر والطرب مختلطين في ذلك رجالاً ونساءً، مترنمين بابتهالات وأغان وأدعية شركية يواكبها ضرب دف وصوت مزمار وقرع أعواد، كل ذلك احتفالاً بمولده صلى الله عليه وسلم، زاعمين محبته، وينطبق عليهم دوله تعالى: ((الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)).

ومن استمع إلى إذاعات بعض الدول الإسلامية في ذلك الوقت أدرك حقيقة ما أشرت إليه.

ومن صور الاحتفال بالمولد اعتباره عيداً رسمياً تعطل فيه المصالح الحكومية عند بعض البلاد الإسلامية، كما تحتفل بعض الدول الإسلامية به رسمياً وتقيم لذلك موكباً خاصاً يتقدمه مسئول من الدولة حتى يصلوا إلى المكان المعد للاحتفال، وعادة ما يكون في أحد المساجد المشهورة، أو الميادين المعدة لذلك فتلقى الكلمات والقصائد والابتهالات التي يزعمون أنها دينية- هذه المناسبة كما يحضرها أرباب الطرق الصوفية.

ثم تمد سمائط الأكل والحلوى فيتناول الحاضرون ما لذ وطاب، ثم ينصرفون بعد ذلك.

وهذا الفعل هو نظير ما كان يفعله الفاطميون بالاحتفال بالمولد. وقد حكي ذلك أيضاً عن الملك المظفر في احتفاله ببعض الموالد أنه أعد سماطاً فيه خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة آلف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوي، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع، ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار.

وكذلك الاحتفالات التي وقعت بعد ذلك فقد جرت على هذا المنوال من المبالغة والإسراف وصرف الأموال في غير طاعة الله عز وجل، فضلاً عما يحدث في هذه الاحتفالات من المنكرات التي يندي لها الجبين، وإليك نماذج منها لتقف على حقيقة الاحتفال بالمولد وإلى أي حد وصل أربابه ودعاته من البعد عن شرع الله عز وجل واتباع سنته صلى الله عليه وسلم.

* المطلب الثالث *

- المنكرات التي تحصل في المولد -

مع كون الاحتفال بالمولد بدعة، فإنها لا تخلو من المنكرات المحرمة، وهذا هو حال البدعة من حيث التمدد والتوسع فتتوالد وتعظم حتى تفسد العقيدة وتخرج صاحبها من الدين وهو لا يشعر بأنه عمل ذنباً بل يظن أن ذلك العمل فيه قربة وطاعة.

ومن أعظم المنكرات وأشنعها التي تقع في الاحتفال بالمولد النبوي الشرك بالله عز وجل الذي هو أعظم ذنب عصى به الله عز وجل.

فقد جاء في الحديث: {أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نـــدا وهو خلقك} .

وهو المنافي لكلمة التوحيد الموجب لسخط الله وعذابه قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)).

ولا يقبل الله سبحانه وتعالى من صاحبه لا صرفاً ولا عدلاً كما قال تعالى: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)).

كل ذلك يقع في المولد بسبب الغلو في سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من دعاته والاستغاثة به، وطلب المدد والعون، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وغير ذلك من أمور العبادة التي لا تصرف إلا لله جلّ وعلا، بل إن البعض جعل الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم مخالفين بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين} .

ومعرضين عن قوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: {لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله} .

وإليك أيها القارئ نماذج من النشر والنظم الذي تُحيا به هذه الموالد ولا يخلو مولد منها حتى أصبح ذلك الفعل كأنه من السنن المأثورة التي يجب العمل بها، وتلاوتها في تلك الليلة التي يزعمون أنها توافق مولده صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم الأصل في المخلوقات، وانه خلق من نــور الله ثم، خلق من هذا النور سائر المخلوقات. وقد أوردوا في ذلك حديثاً لا يصح عنه صلى الله عليه وسلم يروونه:

عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: {يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة، حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لا لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر...} .

قال المناوي في مولده: (وقد اشتمل اسمه الشريف على أربعة أحرف هجائية لكل حرف منها مزية ومقام، فالميم الأولى ما من نبي ولا رسول إلا خلق من نور طلعته البهية فهو أصل والكل منه فرع بلا شك، ولا إيهام..).

وقال في نظمه:

فالكل من نوره الرحمن أوجده                لولاه ما كانت الآفاق قد نظمت

وقال الميرغني: وأشهد أن سيدنا محمداً الذي من ميم اسمه امتدت ســائر العوالم الخلقية.

وهذا القول بيّن البطلان، والحديث الوارد في ذلك موضوع مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (ليس هذا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدرى من قائله).

وقد سئل السيوطي عن هذا الحديث فأجاب بقوله: (ليس له إسناد يعتمد عليه). ويبطله قوله صلى الله عليه وسلم: {الناس بنو آدم وآدم من تراب} .

ودعوى أنه صلى الله عليه وسلم خلق من نور الله، فهذا كذب وبهتان يرده قوله تعالى: ((قُل إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مثلُكمْ)).

وهذا القول يشبه قول النصارى في المسيح عليه السلام وهو من الغلو والإطراء المذموم وفي ذلك يقول شيخ الإسلام عند الكلام على اعتقاد النصارى في المسيح ووجوده: (وظن النصارى يضاهى ظن طائفة من غــلاة المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم، الذين يقولونّ إن ذات النبي صلى الله عليه وسلم كانت موجودة قبل خلق آدم. ويقولونّ إنه خلق من نور رب العالمين ووجد قبل خلق آدم وأن الأشياء خلقت منه حتى قد يقولون في محمد صلى الله عليه وسلم جنس قول النصارى في المسيح، حتى قد يجعلون مدد العالم منه، ويروون في ذلك أحاديث كلها كذب..).

فهذا هو حال تلك الموالد وقصصها التي تقرأ في الاحتفال مبناها على مثل هذا الحديث الذي لا يصح عنه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن ذلك الاعتقاد الباطل المأخوذ من عقيدة النصارى في المسيح بن مريم عليه السلام، وما أوردته هنا مثال على ذلك.

ومن ألهمه الله حسن البصيرة والعقل السليم أدرك أن مثل هذا الكلام لا يصح ولا يصدر عنه صلى الله عليه وسلم، حيث إن بطلانه واضح بالعقل والنقل.

ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده لمثل هذه الأحاديث الواردة في هذا الشأن: فهذه الأحاديث وأمثالها، مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لاسيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل مستحيلة في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إ