|
بسم الله الرحمن الرحيم
بدعة الاحتفال بالمولد النبوي
من كتاب البــدع الحـوليــة
** للتـويجــري **
ويشتمل على ستة
مباحث:
المبحث الأول: أول من
أحدث هذه البدعة.
المبحث الثاني: حالة
المجتمع في ذلك
العصر.
المبحث الثالث: بعض
الشبه التي عرضت
للقائلين بهذه البدعة
والجواب عنها.
المبحث الرابع: طريقة
إحياء المولد.
المبحث الخامس: حقيقة
محبته صلى الله عليه
وسلم.
المبحث السادس: موقف
أهل السنة من هذه
البدعة.
* المبحث الأول *
- أول من أحدث هذه البدعة
-
مضت القرون المفضلة الأولى، الأول
والثاني والثالث، ولم
تسجل لنا كتب التاريخ
أن أحداً من الصحابة،
أو التابعين، أو
تابعيهم ومن جاء
بعدهم- مع شدة محبتهم
للنبي صلى الله عليه
وسلم، وكونهم أعلم
الناس بالسنة، وأحرص
الناس على متابعة
شرعه صلى الله عليه
وسلم احتفل بمولد
النبي صلى الله عليه
وسلم.
وأول من أحدث هذه البدعة هم بنو عبيد
القداح الذين يسمون
أنفسهم بالفاطميين،
وينتسبون إلى ولد علي
بن أبي طالب -رضي
الله عنه- وهم في
الحقيقة من المؤسسين
لدعوة الباطنية،
فجدهم هو ابن ديصان
المعروف بالقداح،
وكان مولى لجعفر بن
محمد الصادق، وكان من
الأهواز وأحد مؤسسي
مذهب الباطنية، وذلك
بالعراق، ثم رحل إلى
المغرب، وانتسب في
تلك الناحية إلى عقيل
بن أبي طالب، وزعم
أنه من نسله، فلما
دخل في دعوته قوم من
غلاة الرافضة، ادعى
أنه من ولد محمد بن
إسماعيل بن جعفر
الصادق، فقبلوا ذلك
منه، مع أن محمد بن
إسماعيل بن جعفر
الصادق مات ولم يعقب
ذرية، وممن تبعه:
حمدان قرمط، وإليه
تنسب القرامطة، ثم
لما تمادت بهم
الأيام، ظهر المعروف
منهم بسعيد بن الحسن
بن أحمد بن عبد الله
بن ميمون بن ديصان
القداح، فغير اسمه
ونسبه وقال لأتباعه:
أنا عبيد الله بن
الحسن بن محمد بن
إسماعيل بن جعفر
الصادق، فظهرت فتنته
بالمغرب.
قال البغدادي: وأولاده اليوم مستولون
على أعمال مصر. اهـ..
وقال ابن خلكان: وأهل العلم بالأنساب
من المحققين ينكرون
دعواه في النسب. اهـ..
وفي سنة 402 هـ كتب جماعة من العلماء
والقضاة، والأشراف
والعدول والصالحين
والفقهاء والمحدثين،
محاضر تتضمن الطعن
والقدح في نسب
الفاطميين- العبيديين-
وشهدوا جميعاً أن
الحاكم بمصر هو:
منصور بن نزار الملقب
بـ (الحاكم) - حكم
الله عليه بالبوار
والخزي والدمار- ابن
معد بن إسماعيل بن
عبد الله بن سعيد- لا
أسعده الله- فإنه لما
صار إلى بلاد المغرب
تسمى بعبيد الله،
وتلقب بالمهدي، وأن
من تقدم من سلفه
أدعياء خوارج، لا نسب
لهم في ولد علي بن
أبي طالب -رضي الله
عنه- ولا يتعلقون
بسبب وأنه منزه عن
باطلهم، وأن الذي
ادعوه إليه باطل
وزور. وأنهم لا
يعلمون أحداً من أهل
بيوتات علي بن أبي
طالب-رضي الله عنه-
توقف عن إطلاق القول
في أنهم خوارج كذبة،
وقد كان هذا الإنكار
لباطلهم شائعاً في
الحرمين، وفي أول
أمرهم بالمغرب،
منتشراً انتشاراً
يمنع أن يدلس أمرهم
على أحد، أو يذهب وهم
إلى تصديقهم فيما
ادعوه، وأن هذا
الحاكم بمصر- هو
وسلفه- كفار فساق
فجار، ملحدون زنادقة،
معطلون، وللإسلام
جاحدون، ولمذهب
المجوسية والثنوية
معتقدون، قد عطلوا
الحدود، وأباحوا
الفروج، وأحلوا
الخمر، وسفكوا
الدماء، وسبُّوا
الأنبياء، ولعنوا
السلف، وادعوا
الربوبية، وكتب في
سنة اثنتين وأربعمائة
للهجرة، وقد كتب خطه
في المحضر خلق كثير.
اهـ..
وقد صنف القاضي الباقلاني كتاباً في
الرد على هؤلاء
وسماه: (كشف الأسرار
وهتك الأستار). بين
فيه فضائحهم
وقبائحهم، وقال فيهم:
هم قوم يظهرون الرفض،
ويبطنون الكفر المحض.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه
الله- عنهم، فأجاب:
بأنهم من أفسق الناس،
ومن أكفر الناس، وأن
من شهد لهم بالإيمان
والتقوى، أو بصحة
النسب، فقد شهد لهم
بما لا يعلم، وقد قال
تعالى: ((ولا تقف ما
ليس لك به علم...))
[الإسراء:36]. وقال
تعالى: ((...إلا من
شهد بالحق وهم
يعلمون))
[الزخرف:86].
وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة،
وأئمتها، وجماهيرها،
أنهم كانوا منافقين
زنادقة، يظهرون
الإسلام، ويبطنون
الكفر، فالشاهد لهم
بالإيمان، شاهد لهم
بما لا يعلمه؛ إذ ليس
معه شيء يدل على
إيمانهم، مثل ما مع
منازعيه ما يدل على
نفاقهم وزندقتهم.
وكذلك النسب: قد علم أن جمهور الأمة
تطعن في نسبهم،
ويذكرون أنهم من
أولاد المجوس أو
اليهود، هذا مشهور من
شهادة علماء الطوائف
من الحنفية،
والمالكية،
والشافعية،
والحنابلة، وأهل
الحديث، وأهل الكلام،
وعلماء النسب،
والعامة، وغيرهم.
وهذا أمر قد ذكره
عامة المصنفين لأخبار
الناس وأيامهم، حتى
بعض من قد يتوقف في
أمرهم؛ كابن الأثير
الموصلي في تاريخه
ونحوه، فإنه ذكر ما
كتبه علماء المسلمين
بخطوطهم في القدح في
نسبهم.
وأما جمهور المصنفين من المتقدمين
والمتأخرين، حتى
القاضي ابن خلكان في
تاريخه، فإنهم ذكروا
بطلان نسبهم، وكذلك
ابن الجوزي، وأبو
شامة، وغيرهما من أهل
العلم بذلك. حتى صنف
العلماء في كشف
أسرارهم، وهتك
أستارهم ة كالقاضي
أبي بكر الباقلاني في
كتابه المشهور في كشف
أسرارهم وهتك
أستارهم، وذكر أنهم
من ذرية المجوس، وذكر
من مذاهبهم ما بين
فيه أن مذاهبهم شر من
مذاهب اليهود
والنصارى، بل ومن
مذاهب الغالية الذين
يدعون إلهية علي أو
نبوته، فهم أكفر من
هؤلاء، وكذلك ذكر
القاضي أبو يعلى في
كتابه (المعتمد)
فضلاً طويلاً في شرح
زندقتهم وكفرهم،
وكذلك ذكر أبو حامد
الغزالي - رحمه الله-
في كتابه الذي سماه
(فضائل المستظهرية،
وفضائح الباطنية)
قال: ظاهر مذهبهم
الرفض، وباطنه الكفر
المحض.
وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد،
وأمثاله من المعتزلة
المتشيعة الذين لا
يفضلون على علي غيره،
بل يفسقون من قاتله
ولم يتب من قتاله.
يجعلون هؤلاء من
أكابر المنافقين
الزنادقة، فهذه مقالة
المعتزلة في حقهم،
فكيف تكون مقالة أهل
السنة والجماعة؟!!
والرافضة الإمامية -
مع أنهم أجهل الخلق،
وأنهم ليس لهم عقل
ولا نقل، ولا دين
صحيح، ولا دنيا
منصورة - يعلمون أن
مقالة هؤلاء الزنادقة
المنافقين ويعلمون أن
مقالة هؤلاء الباطنية
شر من مقالة الغالية
الذين يعتقدون إلهية
علي -رضي الله عنه-.
وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن
جماهير علماء الأمة
من علماء الطوائف.
وهؤلاء -بنو عبيد
القداح- ما زالت
علماء الأمة
المأمونون علماً
وديناً يقدحون في
نسبهم ودينهم، لا
يذمونهم بالرفض
والتشيع، فإن لهم في
هذا شركاء كثيرين، بل
يجعلونهم من القرامطة
الباطنية، الذين منهم
الإسماعيلية
والنصيرية، وأمثالهم
من الكفار المنافقين
الذين كانوا يظهرون
الإسلام ويبطنون
الكفر، والذين أخذوا
بعض قول المجوس وبعص
قول الفلاسفة. فمن
شهد لهم بصحة نسب أو
إيمان، فأقل ما في
شهاداته أنه شاهد بلا
علم، قاف ما ليس له
به علم، وذلك حرام
باتفاق الأمة، بل ما
ظهر عنهم من الزندقة
والنفاق، ومعاداة ما
جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم: دليل
على بطلان نسبهم
الفاطمي، فإن من يكون
من أقارب النبي صلى
الله عليه وسلم
القائمين بالخلافة في
أمته، لا تكون
معاداته لدينه
كمعاداة هؤلاء، فلم
يعرف في بني هاشم،
ولا بني أمية: من كان
خليفة وهو معاد لدين
الإسلام، فضلاً عن أن
يكون معادياً كمعاداة
هؤلاء، بل أولاد
الملوك الدين لا دين
لهم يكون فيهم نوع
حمية لدين آبائهم
وأسلافهم، فمن كان من
ولد سيد ولد آدم،
الذي بعثه الله
بالهدى ودين الحق كيف
دينه هذه المعاداة؟!
ولهذا نجد جميع
المأمونين على دين
الإسلام باطناً
وظاهراً معادين
لهؤلاء، إلا من هو زنديق عدو لله
ورسوله، أو جاهل لا
يعرف ما بعث به
رسوله، وهذا مما يدل
على كفرهم، وكذبهم في
نسبهم. اهـ..
فأول من قال بهذه البدعة -بدعة
الاحتفال بالمولد
النبوي- هم الباطنية
الذين أرادوا أن
يغيروا على الناس
دينهم، وأن يجعلوا
فيه ما ليس منه؛
لإبعادهم عما هو من
دينهم، فإشغال الناس
بالبدع طريق سهل
لإماتة السنة، والبعد
عن شريعة الله
السمحة، وسنته صلى
الله عليه وسلم
المطهرة.
وكان دخول العبيديين مصر سنة 362 هـ،
في الخامس من رمضان،
وكان ذلك بداية حكمهم
لها.
وقيل: يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر
رمضان سنة 362 هـ،
فبدعة الاحتفال
بالموالد عموماً،
ومولد النبي صلى الله
عليه وسلم خصوصاً،
إنما ظهرت في عهد
العبيديين، ولم
يسبقهم أحد إلى ذلك.
قال المقريزي: ذكر الأيام التي كان
الخلفاء الفاطميون
يتخذونها أعياداً
ومواسم تتسع بها
أحوال الرعية، وتكثر
نعمهم.
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة
أعياد ومواسم وهي:
موسم رأس السنة، وموسم أول العام،
ويوم عاشوراء، ومولد
النبي صلى الله عليه
وسلم، ومولد علي بن
أبي طالب -رضي الله
عنه-، ومولد الحسن،
ومولد الحسين عليهما
السلام، ومولد فاطمة
الزهراء عليها
السلام، ومولد
الخليفة الحاضر،
وليلة أول رجب، وليلة
نصفه، وليلة أول
شعبان، وليلة نصفه،
وموسم ليلة رمضان،
وغرة رمضان، وسماط
رمضان، وليلة الختم،
وموسم عيد الفطر،
وموسم عيد النحر،
وعيد الغدير، وكسوة
الشتاء، وكسوة الصيف،
وموسم فتح الخليج،
ويوم النوروز، ويوم
الغطاس، ويوم
الميلاد، وخميس
العدس، وأيام
الركوبات. اهـ..
ثم تكلم عن كل موسم، ومراسم الاحتفال
فيه.
فهذه شهادة ظاهرة واضحة من المقريزي -
وهو من المثبتين
انتسابهم إلى ولد علي
بن أبي طالب -رضي
الله عنه- ومن
المدافعين عنهم أن
العبيديين هم سبب
البلاء على المسلمين،
وهم الذين فتحوا باب
الاحتفالات البدعية
على مصراعيه، حتى
أنهم كانوا يحتفلون
بأعياد المجوس
والمسيحيين كالنوروز،
والغطاس، والميلاد،
وخميس العدس، وهذا من
الأدلة على بعدهم عن
الإسلام، ومحاربتهم
له، وإن لم يجهروا
بذلك ويظهروه. ودليل
أيضاً على أن إحياءهم
للموالد الستة
المذكورة،- ومنها
المولد النبوي-، ليس
محبة له صلى الله
عليه وسلم، وآله كما
يزعمون، وكما يظهرون
للعامة والسذج من
الناس، وإنما قصدهم
بذلك نشر خصائص
مذهبهم الإسماعيلي
الباطني، وعقائدهم
الفاسدة بين الناس،
وإبعادهم عن الدين
الصحيح، والعقيدة
السليمة بابتداعهم
هذه الاحتفالات، وأمر
الناس بإحيائها،
وتشجيعهم على ذلك،
وبذل الأموال الطائلة
في سبيل ذلك.
فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل
بالمولد النبوي هم
بنو عبيد القداح
(الفاطميون)، ويدل
على ذلك: ما ذكره
المقريزي في خططه-
وسبق وذكرته- وما
ذكره القلقشندي في
صبح الأعشى.
وقد رجح هذا وأخذ به جماعة من العلماء
المتأخرين وصرحوا به.
وأما ما ذكره أبو شامة في كتابه
(الباعث على إنكار
البدع والحوادث): من
ثنائه على الاحتفال
بالمولد النبوي، وأنه
من أحسن ما ابتدع في
زمانه ، وأن أول من
احتمل بذلك بالموصل،
الشيخ عمر بن محمد
الملا أحد الصالحين
المشهورين، وبه اقتدى
في ذلك صاحب إربل :
فلا يدل على أن أول
من احتفل بالمولد
النبوي، هو صاحب إربل؛
لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة -رحمه الله- قيد
هذه الأولوية بقوله:
(أول من فعل ذلك
بالموصل . فكلامه يدل
على أن أول من احتفل
بالمولد النبوي في
الموصل هو صاحب إربل،
اقتداء بالشيخ عمر بن
محمد الملا، وليس فيه
دلالة على أن أول من
احتفل بالمولد النبوي
على الإطلاق هو صاحب
إربل.
ولكن السيوطي -رحمه الله- أطلق ذلك
في كتابه حُسن المقصد
في عمل المولد -الذي
ضمنه كتابه الحاوي-
فقال: وأول من أحدث
فعل ذلك -الاحتفال
بالمولد النبوي- صاحب
إربل الملك المظفر
أبو سعيد كوكبرى بن
زين الدين علي بن
بكتكين، أحد الملوك
الأمجاد. اهـ..
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
: وهذه البدعة
-الاحتفال بالمولد-
أول من أحدثها أبو
سعيد كوكبوري في
القرن السادس الهجري.
اهـ. .
وقال الشيخ حمود التويجري : إن
الاحتفال بالمولد
بدعة في الإسلام
أحدثها سلطان إربل في
آخر القرن السادس من
الهجرة، أو في أول
القرن السابع. اهـ. .
فإذا عرفنا ذلك، فلا شك أن العبيديين
هم أول من احتفل
بالمولد النبوي، حسب
ما ورد في كتب
التاريخ والسيرة لأن
العبيديين دخلوا مصر
وأسسوا ملكهم في
النصف الثاني من
القرن الرابع الهجري،
واستمرت دولتهم القرن
الخامس، ونصف القرن
السادس الهجري.
فقد دخل المعز معد بن إسماعيل
القاهرة في سنة 362
هـ في رمضان، وكان
ذلك بداية حكمهم في
مصر . وقيل: في سنة
363 هـ .
وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد ، توفي
سنة 567 هـ .
وأما مظفر الدين صاحب إربل. فولادته
كانت في سنة 549 هـ.
وتوفي سنة 630هـ .
فهذا دليل قاطع على أن العبيديين
سبقوا صاحب إربل
-الملك المظفر-
بالاحتفال بالمولد
النبوي. فصاحب إربل
ليس أول من احتفل
بالمولد النبوي،
وإنما سبقه إلى ذلك
العبيديون لحوالي
قرنين من الزمان،
وهذا لا يمنع أن يكون
صاحب إربل هو أول من
احتفل بالمولد النبوي
في الموصل، لأن
احتفالات العبيديين
كانت في دولتهم -وهي
في مصر كما ذكر في
كتب التاريخ-، والله
أعلم.

* المبحث الثاني *
- حالة المجتمع في ذلك العصر-
كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية
واحدة، هي العمل بكل
جد وإخلاص لحمل الناس
على اعتناق مذهبهم،
وجعله سائداً في كافة
أنحاء الديار
المصرية، وغيرها من
البلاد التي كانوا
يحكمونها، والمجاورة
لهم.
فقد كان العزيز يعطف على النصارى
واليهود، كما كان
أبوه -المعز معد أبو
تميم- قبله، ولكن
العزيز كان أكثر
عطفاً على النصارى،
لما كان بينه وبينهم
من صلة النسب .
ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي
الوزارة، كما عين
منشأ اليهودي ،
والياً على الشام،
فأظهر ابن نسطورس
ومنشأ محاباة جلية
لبني ملتهم، فعينوهم
في مناصب الدولة بعد
أن أقصوا المسلمين
عنها، فقدم المسلمون
الاحتجاجات على تلك
المحاباة التي أظهرها
الخليفة لغير
المسلمين وبلغ من حال
هؤلاء الساخطين أن
كتبت امرأة إلى
العزيز: بالذي أعز
اليهود بمنشأ،
والنصارى بعيسى بن
نسطورس، وأذل
المسلمين بك ألا كشفت
ظلامتي .
فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى
الشام بالقبض على
منشأ وغيره من
الموظفين اليهود،
وأمر برد الدواوين
والأعمال إلى الكتاب
المسلمين، وعين
القضاة للإشراف على
أعمالهم في جميع
أنحاء الدولة، لكن
الأميرة ست الملك
ابنة الخليفة شفعت
لابن نسطورس فرد
العزيز الوزارة إليه
ثانية، وشرط عليه
استخدام المسلمين في
الحكومة.
ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب
وأعلاها في عهد
العزيز (365 - 386
هـ)، وشغلوا في عهد
المستنصر (427-487)،
ومن جاء بعده من
الخلفاء، معظم
المناصب المالية في
الدولة، بل تقلدوا
الوزارة أيضاً.
ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم،
فقد ولع بعض الخلفاء
العبيديين:
كالحافظ مثلاً (524- 544 هـ) بزيارة
أديرة النصارى، وكان
الآمر (495- 524 هـ)
يعطي الرهبان في بعض
الأديرة عشرة آلاف
درهم كلما خرج للصيد،
بل قد ازدادت موارد
الكنائس المصرية
زيادة عظيمة في عهد
العبيديين .
فقد كان العبيديون يعاملون النصارى
معاملة تنطوي على
العطف والرعاية
والمحاباة، فإذا كان
هذا موقفهم من اليهود
والنصارى فما موقفهم
من أهل السنة؟! لقد
عمل العبيديون على
لعن الخلفاء الثلاثة
-أبي بكر، وعمر،
وعثمان- رضي الله
عنهم أجمعين- وغيرهم
من الصحابة؛ إذ عدوهم
أعداء لعلي -رضي الله
عنه-، وتفشت فضائل
علي وأولاده من بعده
على السكة وعلى
جدران المساجد، وكان
الخطباء يلعنون
الصحابة على كافة
منابر مصر.
وقد ألزم العبيديون جميع الموظفين
المصريين أن يعتنقوا
المذهب العبيدي
الباطني، كما حتم على
القضاة أن يصدروا
أحكامهم وفق قوانين
هذا المذهب.
بل إن الحصول على مناصب الدولة مشروط
بالتحول إلى المذهب
الشيعي، مما دفع بعض
الذميين إلى اعتناق
الإسلام، واتخاذ
التشيع مذهباً لهم .
وكان من عدائهم للسنة وأهلها: أن أمر
العزيز بقطع صلاة
التراويح من جميع
البلاد المصرية، وذلك
سنة 372 هـ. وكذلك في
سنة 393 هـ قبض على
ثلاثة عشر رجلاً،
وضربوا وشهروا على
الجمال، وحبسوا ثلاثة
أيام، من أجل أنهم
صلوا صلاة الضحى.
وفي سنة 381 هـ ضرب رجل بمصر، وطيف به
المدينة من أجل أنه
وجد عنده كتاب الموطأ
للإمام مالك بن أنس
-رحمه الله-.
وفي سنة 395 هـ في شهر صفر كتب على
سائر المساجد، وعلى
الجامع العتيق بمصر،
من ظاهره وباطنه، ومن
جميع جوانبه، وعلى
أبواب الحوانيت،
والحجر، وعلى
المقابر، سب السلف
ولعنهم، ونقش ذلك،
ولون بالأصباغ
والذهب، وعمل ذلك على
أبواب الدور،
والقياسر ، وأكره
الناس على ذلك .
فكان لعن السنيين تفيض به ألسنة الناس
من على المنابر في
كافة أنحاء مصر طوال
الحكم العبيدي
تقريباً، حتى أن
العاضد -آخر الخلفاء
العبيديين- كان شديد
التشيع، متغالياً في
سب الصحابة -رضوان
الله عليهم- وإذا رأى
سنياً استحل دمه .
وأشد من ذلك كله أن الحاكم العبيدي قد
ادعى
الإلو الجواب:
وهية، فأمر
الناس أن يقوموا على
أقدامهم صفوفاً إذا
ذكر الخطيب على
المنبر اسمه، إعظاماً
لذكره، واحتراماً
لاسمه، وقد فعل ذلك
في سائر ممالكه، حتى
في الحرمين الشريفين،
وكان قد أمر أهل مصر
على الخصوص إذا قاموا
عند ذكره خروا سجداً
له، حتى أنه ليسجد
بسجودهم من في
الأسواق من الرعاع
وغيرهم، ممن كان لا
يصلي الجمعة، وكانوا
يتركون السجود لله في
يوم الجمعة وغيره،
ويسجدون للحاكم، حتى
أن قوماً من الجهال
إذا رأوه يقولون له:
يا واحدنا يا أحدنا،
يا محيي يا مميت.
وأمر السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا
ما فيها من الأموال،
والمتاع، والحريم،
فامتثلوا لأمره،
وسبوا النساء، وفعلوا
فيهن الفاحشة،
والمنكرات، وأحرقوا
ثلث مصر، ونهبوا
نصفها .
فما تقدم يعطي فكرة موجزة عن حالة
المجتمع في عهد
العبيديين، الذين هم
أول من ابتدع
الاحتفال بالموالد،
وسبق وذكرت أن
احتفالاتهم تلك ليست
نابعة من محبة للرسول
صلى الله عليه وسلم
وآله؛ لأن من بدر منه
ما سبق ذكره آنفاً
-وإن ادعى محبته- صلى
الله عليه وسلم ومحبة
آله، فليس صادقاً ولا
يعقل أن يصدر منه
ذلك.
وإنما كان هدفهم الوحيد هو بلوغ
أغراضهم السياسية،
ونشر مذهبهم
الإسماعيلي الباطني،
واستمالة عامة الناس
بإقامة الاحتفالات
التي تتجلى فيها
مظاهر الكرم،
والهدايا النفيسة من
النقود، والجوائز
للشعراء، وكتَّاب
القصر، والعلماء،
وكذلك الإحسان
للفقراء، وإقامة
الولائم. وكل هذه
الأمور جديرة بأن
تستميل كثيراً من
الناس إلى اعتناق
مذهبهم.
وبما أن نفقاتهم تلك على الاحتفالات
والولائم كان القصد
منها محاربة دين الله
ورسوله، وإبعاد الناس
عن العقيدة الصحيحة،
والمنهج السليم، فقد
ابتلاهم الله بالجوع
ونقص الأموال
والثمرات. فالبرغم من
رخاء مصر، وعظم
ثرائها، والأموال
التي كانت تفيض بها
خزائن العبيديين،
والتي كانوا ينفقونها
على ملذاتهم،
وقصورهم، وبطانتهم
الفاسدة، واحتفالاتهم
وموالدهم البدعية،
فقد حصل لأهل مصر من
المجاعة ما تحدثت به
كتب التاريخ، ومن ذلك
ما ذكره ابن الجوزي
في (المنتظم) فقال في
حوادث سنة 462 هـ-
وهي من سني خلافة
المستنصر -:
وفي ذي القعدة ورد من مصر والشام عدد
كثير من رجال ونساء،
هاربين من الجرف
والغلاء، وأخبروا أن
مصر لم يبق بها كبير
أحد من الجوع والموت،
وأن الناس أكل بعضهم
بعضاً، وظُهِرَ على
رجل قد ذبح عدة من
الصبيان والنساء وطبخ
لحومهم وباعها، وحفر
حفيرة دفن فيها
رءوسهم وأطرافهم،
فقتل. وأكلت البهائم
فلم يبق إلا ثلاثة
أفراس لصاحب مصر
-المستنصر- بعد ألوف
من الكراع، وماتت
الفيلة، وب¡ |