|
نفحة عبير
من سيرة البشير
النذير
د. يحيى إبراهيم اليحيى
المقدمة
الحمد لله رب
العالمين والصلاة
والسلام على من بعث
رحمة للعالمين وعلى
آله وصحبه أجمعين ومن
استن بسنته واهتدى
بهديه واقتفى أثره
وسار على نهجه إلى
يوم الدين. أما بعد:
فإن رسول الله صلى
الله عليه وسلم هو
الصورة العملية
التطبيقية لهذا
الدين، وجميع الطرق
الموصلة إلى الله
تعالى ثم إلى الجنة
موصودة ومغلقة إلا
طريقه صلى الله عليه
وسلم، ويمتنع أن تعرف
دين الإسلام ويصح لك
إسلامك بدون معرفة
الرسول صلى الله عليه
وسلم، وكيف كان هديه
وعمله وأمره ونهيه
ومنهجه وسنته؟.
لقد سالم وحارب،
وأقام وسافر، وباع
واشترى، وأخذ وأعطى،
وما عاش صلى الله
عليه وسلم وحده، ولا
غاب عن الناس يوماً
واحداً، ولا سافر
وحده.
وقد لاقى صنوف الأذى،
وقاسى أشد أنواع
الظلم، وكانت العاقبة
والنصر له.
بعث على فترة من
الرسل، وضلال من
البشر، وانحراف في
الفطر، وواجه ركاماً
هائلاً من الضلال
والانحراف والبعد عن
الله، والإغراق في
الوثنية. فاستطاع
بعون الله أن يخرجهم
من الظلام إلى النور،
ومن الضلال إلى الهدى
ومن الشقاء إلى
السعادة، فأحبوه
وفَدَوْهُ بأنفسهم
وأهليهم وأموالهم،
واقتدوا به في كل
صغيرة وكبيرة، وجعلوه
نبراساً لهم يستضيئون
بنوره، ويهتدون بهديه
فأصبحوا أئمة الهدى
وقادة البشرية.
هل تطلبون من المختار
معجزة ***
يكفيه شعب من الأجداث
أحياه
من وحد العرب حتى كان
وا ***
ترهم إذا رأى ولد
الموتور أخاه
وما أصيب المسلمون
إلا بسبب الإخلال
بجانب الاقتداء به،
والأخذ بهديه، واتباع
سنته، وقد قال الله
تعالى:
((
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا ))[الأحزاب:21].
حتى اكتفى بعض
المسلمين من سيرته
بقراءتها في
المنتديات
والاحتفالات، ولا
يتجاوز ذلك إلى موضع
الاهتداء
والتطبيق....
وبعضهم بقراءتها
للبركة، أو للاطلاع
على أحداثها
ووقائعها، أو حفظ
غزواته وأيامه وبعوثه
وسراياه.
وهذا راجع إما لجهل
بأصل مبدأ الاتباع
والاهتداء والاقتداء،
وعدم الإدراك بأن هذا
من لوازم المحبة له
صلى الله عليه وسلم،
وإما لعدم إدراك
مواضع الاقتداء من
سيرته صلى الله عليه
وسلم؛ نظراً لضعف
الملكة في الاستنباط،
أو لقلة العلم
والاطلاع على كتب أهل
العلم.
إن سيرته صلى الله
عليه وسلم رسمت
المنهج الصحيح الآمن
في دعوة الناس،
وهداية البشر،
وإخراجهم من الظلمات
إلى النور، ومن
الشقاء إلى السعادة.
وما فشلت كثير من
المناهج الدعوية
المعاصرة في إصلاح
البشر إلاّ بسبب
الإخلال بهديه
والتقصير في معرفة
سنته، ونقص في دراسة
منهجه صلى الله عليه
وسلم في هداية البشر
وإصلاحهم.
لذا رأيت كتابة هذه
التعليقة من سيرته
صلى الله عليه وسلم
كنموذج مقترح لكتابة
السيرة النبوية؛ لكي
تكون لبنة في بناء
المنهج الدعوي القائم
على هدي النبي صلى
الله عليه وسلم،
وأسأل الله تعالى أن
ينفع بها كاتبها
وقارئها ومستمعها،
إنه ولي ذلك والقادر
عليه.
وآمل من كل أخ عنده
اقتراح أو ملاحظة أو
تنبيه أن يكتب لي
بملاحظاته وأكون له
من الشاكرين.

إبراهيم عليه السلام
وبناء الكعبة:
وبعد: أخي الكريم إنه
حري بك وأنت تتجه كل
يوم في صلاتك إلى هذا
البيت المحرم أن
تتعرف على تاريخه،
ولا أظنك إلا من
النهمين الحريصين على
تعلم ذلك؛ وبخاصة أن
هذا البيت خير مكان
على الأرض منه شع نور
الإسلام، وبعث فيه
خير الأنام سيدنا
وقائدنا ونبينا محمد
عليه الصلاة والسلام.
إن قصة بناء الكعبة
قصة عظيمة، تتضح فيها
عظمته وأهميته، فقد
احتاج أبو الأنبياء
وخليل الرحمن أن يضع
أسرته هناك حيث لا
أنيس ولا جليس من أجل
هذا البيت.
قال البخاري في صحيحه:
قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: جَاءَ
إِبْرَاهِيمُ بهاجر
وَبِابْنِهَا
إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ
تُرْضِعُهُ حَتَّى
وَضَعَهُمَا عِنْدَ
الْبَيْتِ عِنْدَ
دَوْحَةٍ فَوْقَ
زَمْزَمَ فِي أَعْلَى
الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ
بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ
أَحَدٌ وَلَيْسَ
بِهَا مَاءٌ
فَوَضَعَهُمَا
هُنَالِكَ وَوَضَعَ
عِنْدَهُمَا جِرَابًا
فِيهِ تَمْرٌ
وَسِقَاءً فِيهِ
مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى
إِبْرَاهِيمُ
مُنْطَلِقًا
فَتَبِعَتْهُ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ
فَقَالَتْ يَا
إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ
تَذْهَبُ
وَتَتْرُكُنَا
بِهَذَا الْوَادِي
الَّذِي لَيْسَ فِيهِ
إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ
فَقَالَتْ لَهُ
ذَلِكَ مِرَارًا
وَجَعَلَ لا
يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا
فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي
أَمَرَكَ بِهَذَا
قَالَ نَعَمْ قَالَتْ
إِذَنْ لا
يُضَيِّعُنَا ثُمَّ
رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ
إِبْرَاهِيمُ حَتَّى
إِذَا كَانَ عِنْدَ
الثَّنِيَّةِ حَيْثُ
لا يَرَوْنَهُ
اسْتَقْبَلَ
بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ
ثُمَّ دَعَا
بِهَؤُلاءِ
الْكَلِمَاتِ
وَرَفَعَ يَدَيْهِ
فَقَالَ رَبِّ: ((
إِنِّي أَسْكَنتُ
مِنْ ذُرِّيَّتِي
بِوَادٍ غَيْرِ ذِي
زَرْعٍ عِنْدَ
بَيْتِكَ
الْمُحَرَّمِ
))[إبراهيم:37]
حَتَّى بَلَغَ ((
يَشْكُرُونَ
))[إبراهيم:37].
وَجَعَلَتْ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ
تُرْضِعُ
إِسْمَاعِيلَ
وَتَشْرَبُ مِنْ
ذَلِكَ الْمَاءِ
حَتَّى إِذَا نَفِدَ
مَا فِي السِّقَاءِ
عَطِشَتْ وَعَطِشَ
ابْنُهَا وَجَعَلَتْ
تَنْظُرُ إِلَيْهِ
يَتَلَوَّى أَوْ
قَالَ يَتَلَبَّطُ
فَانْطَلَقَتْ
كَرَاهِيَةَ أَنْ
تَنْظُرَ إِلَيْهِ
فَوَجَدَتِ الصَّفَا
أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي
الأرْضِ يَلِيهَا
فَقَامَتْ عَلَيْهِ
ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ
الْوَادِيَ تَنْظُرُ
هَلْ تَرَى أَحَدًا
فَلَمْ تَرَ أَحَدًا
فَهَبَطَتْ مِنَ
الصَّفَا حَتَّى
إِذَا بَلَغَتِ
الْوَادِيَ رَفَعَتْ
طَرَفَ دِرْعِهَا
ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ
الإنسانِ
الْمَجْهُودِ حَتَّى
جَاوَزَتِ الْوَادِيَ
ثُمَّ أَتَتِ
الْمَرْوَةَ
فَقَامَتْ عَلَيْهَا
وَنَظَرَتْ هَلْ
تَرَى أَحَدًا فَلَمْ
تَرَ أَحَدًا
فَفَعَلَتْ ذَلِكَ
سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
قَالَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم:
{
فَذَلِكَ سَعْيُ
النَّاسِ بَيْنَهُمَا
}.
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ
عَلَى الْمَرْوَةِ
سَمِعَتْ صَوْتًا
فَقَالَتْ صَهٍ
تُرِيدُ نَفْسَهَا
ثُمَّ تَسَمَّعَتْ
فَسَمِعَتْ أَيْضًا
فَقَالَتْ قَدْ
أَسْمَعْتَ إِنْ
كَانَ عِنْدَكَ
غِوَاثٌ فَإِذَا هِيَ
بِالْمَلَكِ عِنْدَ
مَوْضِعِ زَمْزَمَ
فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ
أَوْ قَالَ
بِجَنَاحِهِ حَتَّى
ظَهَرَ الْمَاءُ
فَجَعَلَتْ
تُحَوِّضُهُ
وَتَقُولُ بِيَدِهَا
هَكَذَا وَجَعَلَتْ
تَغْرِفُ مِنَ
الْمَاءِ فِي
سِقَائِهَا وَهُوَ
يَفُورُ بَعْدَ مَا
تَغْرِفُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
قَالَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم:
{
يَرْحَمُ اللَّهُ
أُمَّ إِسْمَاعِيلَ
لَوْ تَرَكَتْ
زَمْزَمَ - أَوْ
قَالَ - لَوْ لَمْ
تَغْرِفْ مِنَ
الْمَاءِ لَكَانَتْ
زَمْزَمُ عَيْنًا
مَعِينًا }.
قَالَ: فَشَرِبَتْ
وَأَرْضَعَتْ
وَلَدَهَا. فَقَالَ
لَهَا الْمَلَكُ: لا
تَخَافُوا
الضَّيْعَةَ فَإِنَّ
هَا هُنَا بَيْتَ
اللَّهِ يَبْنِي
هَذَا الْغُلامُ
وَأَبُوهُ وَإِنَّ
اللَّهَ لا يُضِيعُ
أَهْلَهُ.
وَكَانَ الْبَيْتُ
مُرْتَفِعًا مِنَ
الأرْضِ
كَالرَّابِيَةِ
تَأْتِيهِ السُّيُولُ
فَتَأْخُذُ عَنْ
يَمِينِهِ
وَشِمَالِهِ.
فَكَانَتْ كَذَلِكَ
حَتَّى مَرَّتْ
بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ
جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ
بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ
مُقْبِلِينَ مِنْ
طَرِيقِ كَدَاءٍ
فَنَزَلُوا فِي
أَسْفَلِ مَكَّةَ
فَرَأَوْا طَائِرًا
عَائِفًا فَقَالُوا:
إِنَّ هَذَا
الطَّائِرَ لَيَدُورُ
عَلَى مَاءٍ
لَعَهْدُنَا بِهَذَا
الْوَادِي وَمَا
فِيهِ مَاءٌ
فَأَرْسَلُوا
جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا
هُمْ بِالْمَاءِ
فَرَجَعُوا
فَأَخْبَرُوهُمْ
بِالْمَاءِ
فَأَقْبَلُوا قَالَ
وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ
عِنْدَ الْمَاءِ
فَقَالُوا:
أَتَأْذَنِينَ لَنَا
أَنْ نَنْزِلَ
عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ:
نَعَمْ وَلَكِنْ لا
حَقَّ لَكُمْ فِي
الْمَاءِ قَالُوا:
نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: قَالَ
النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم:
{ فَأَلْفَى ذَلِكَ
أُمَّ إِسْمَاعِيلَ
وَهِيَ تُحِبُّ
الأنْسَ فَنَزَلُوا
وَأَرْسَلُوا إِلَى
أَهْلِيهِمْ
فَنَزَلُوا مَعَهُمْ
حَتَّى إِذَا كَانَ
بِهَا أَهْلُ
أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ
وَشَبَّ الْغُلامُ
وَتَعَلَّمَ
الْعَرَبِيَّةَ
مِنْهُمْ
وَأَنْفَسَهُمْ
وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ
شَبَّ فَلَمَّا
أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ
امْرَأَةً مِنْهُمْ.
وَمَاتَتْ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ
إِبْرَاهِيمُ
بَعْدَمَا تَزَوَّجَ
إِسْمَاعِيلُ
يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ
فَلَمْ يَجِدْ
إِسْمَاعِيلَ
فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ
عَنْهُ فَقَالَتْ
خَرَجَ يَبْتَغِي
لَنَا ثُمَّ
سَأَلَهَا عَنْ
عَيْشِهِمْ
وَهَيْئَتِهِمْ
فَقَالَتْ: نَحْنُ
بِشَرٍّ نَحْنُ فِي
ضِيقٍ وَشِدَّةٍ
فَشَكَتْ إِلَيْهِ
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ
زَوْجُكِ فَاقْرَئِي
عَلَيْهِ السَّلامَ
وَقُولِي لَهُ
يُغَيِّرْ عَتَبَةَ
بَابِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ
إِسْمَاعِيلُ
كَأَنَّهُ آنَسَ
شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ
جَاءَكُمْ مِنْ
أَحَدٍ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ جَاءَنَا
شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا
فَسَأَلَنَا عَنْكَ
فَأَخْبَرْتُهُ
وَسَأَلَنِي: كَيْفَ
عَيْشُنَا؟
فَأَخْبَرْتُهُ
أَنَّا فِي جَهْدٍ
وَشِدَّةٍ قَالَ:
فَهَلْ أَوْصَاكِ
بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ أَمَرَنِي
أَنْ أَقْرَأَ
عَلَيْكَ السَّلامَ
وَيَقُولُ: غَيِّرْ
عَتَبَةَ بَابِكَ
قَالَ: ذَاكِ أَبِي
وَقَدْ أَمَرَنِي
أَنْ أُفَارِقَكِ
الْحَقِي بِأَهْلِكِ
فَطَلَّقَهَا
وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ
أُخْرَى.
فَلَبِثَ عَنْهُمْ
إِبْرَاهِيمُ مَا
شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ
أَتَاهُمْ بَعْدُ
فَلَمْ يَجِدْهُ
فَدَخَلَ عَلَى
امْرَأَتِهِ
فَسَأَلَهَا عَنْهُ
فَقَالَتْ: خَرَجَ
يَبْتَغِي لَنَا
قَالَ: كَيْفَ
أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا
عَنْ عَيْشِهِمْ
وَهَيْئَتِهِمْ
فَقَالَتْ: نَحْنُ
بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ
وَأَثْنَتْ عَلَى
اللَّهِ فَقَالَ: مَا
طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ:
اللَّحْمُ قَالَ:
فَمَا شَرَابُكُمْ؟
قَالَتِ: الْمَاءُ
قَالَ: اللَّهُمَّ
بَارِكْ لَهُمْ فِي
اللَّحْمِ وَالْمَاءِ
}.

قَالَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم:
{ وَلَمْ يَكُنْ
لَهُمْ يَوْمَئِذٍ
حَبٌّ وَلَوْ كَانَ
لَهُمْ دَعَا لَهُمْ
فِيهِ قَالَ: فَهُمَا
لا يَخْلُو
عَلَيْهِمَا أَحَدٌ
بِغَيْرِ مَكَّةَ
إِلا لَمْ
يُوَافِقَاهُ قَالَ:
فَإِذَا جَاءَ
زَوْجُكِ فَاقْرَئِي
عَلَيْهِ السَّلامَ
وَمُرِيهِ يُثْبِتُ
عَتَبَةَ بَابِهِ
فَلَمَّا جَاءَ
إِسْمَاعِيلُ قَالَ:
هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ
أَحَدٍ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ أَتَانَا
شَيْخٌ حَسَنُ
الْهَيْئَةِ
وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ
فَسَأَلَنِي عَنْكَ
فَأَخْبَرْتُهُ
فَسَأَلَنِي: كَيْفَ
عَيْشُنَا؟
فَأَخْبَرْتُهُ
أَنَّا بِخَيْرٍ
قَالَ: فَأَوْصَاكِ
بِشَيْءٍ قَالَتْ
نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ
عَلَيْكَ السَّلامَ
وَيَأْمُرُكَ أَنْ
تُثْبِتَ عَتَبَةَ
بَابِكَ قَالَ: ذَاكِ
أَبِي وَأَنْتِ
الْعَتَبَةُ
أَمَرَنِي أَنْ
أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ لَبِثَ
عَنْهُمْ مَا شَاءَ
اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ
بَعْدَ ذَلِكَ
وَإِسْمَاعِيلُ
يَبْرِي نَبْلًا لَهُ
تَحْتَ دَوْحَةٍ
قَرِيبًا مِنْ
زَمْزَمَ فَلَمَّا
رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ
فَصَنَعَا كَمَا
يَصْنَعُ الْوَالِدُ
بِالْوَلَدِ
وَالْوَلَدُ
بِالْوَالِدِ ثُمَّ
قَالَ: يَا
إِسْمَاعِيلُ إِنَّ
اللَّهَ أَمَرَنِي
بِأَمْرٍ قَالَ:
فَاصْنَعْ مَا
أَمَرَكَ رَبُّكَ
قَالَ: وَتُعِينُنِي
قَالَ: وَأُعِينُكَ
قَالَ: فَإِنَّ
اللَّهَ أَمَرَنِي
أَنْ أَبْنِيَ هَا
هُنَا بَيْتًا
وَأَشَارَ إِلَى
أَكَمَةٍ
مُرْتَفِعَةٍ عَلَى
مَا حَوْلَهَا قَالَ:
فَعِنْدَ ذَلِكَ
رَفَعَا الْقَوَاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ
فَجَعَلَ
إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي
بِالْحِجَارَةِ
وَإِبْرَاهِيمُ
يَبْنِي حَتَّى إِذَا
ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ
جَاءَ بِهَذَا
الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ
لَهُ فَقَامَ
عَلَيْهِ وَهُوَ
يَبْنِي
وَإِسْمَاعِيلُ
يُنَاوِلُهُ
الْحِجَارَةَ وَهُمَا
يَقُولانِ: ((
رَبَّنَا تَقَبَّلْ
مِنَّا إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ
))[البقرة:127] قَالَ:
فَجَعَلا يَبْنِيَانِ
حَتَّى يَدُورَا
حَوْلَ الْبَيْتِ
وَهُمَا يَقُولانِ:
(( رَبَّنَا
تَقَبَّلْ مِنَّا
إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ
))[البقرة:127] }.
أخي الحبيب: إنّ في
هذه القصة فوائد
عظيمة منها:
1- التسليم المطلق
لله تعالى، فإبراهيم
يدع امرأته وطفلها في
أرض موحشة غريبة
قفراء لا ماء فيها
ولا شجر استجابةً
وطاعةً لله تعالى، مع
ما عرف عنه من الشفقة
والرحمة، ولكن
التسليم لأمر الله
تعالى فوق كل
شيء.
2- امتحان الأنبياء
بأولادهم وهل
يقدمونهم فداءً لطاعة
ربهم أم لا.
3- أن البلاء والمحن
التي تنـزل بالمسلم
لا تعني أن الله
تعالى تخلى عنه، أو
أراد تعذيبه بل إنه
ربه أرحم به من نفسه،
ولكن النفس تصهرها
الشدائد فتنفي عنها
الخبث، وتصلح من نفس
المبتلى وقلبه،
ويستعلي به على الشح
بالنفس والمال، ويخرج
أفضل ما عنده من
مزايا وطاقات، ولهذا
كان أشد الناس بلاءً
الأنبياء ثم الأمثل
فالأمثل، وهذا خليل
الله وأبو الأنبياء
عليهم السلام تتوالى
عليه المحن والفتن
فيخرج منها نقياً
تقياً، صابراً
محتسباً، مسلماً أمره
لله جل وعلا، حتى
أصبح أمةً بنفسه ((
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
كَانَ أُمَّةً
))[النحل:120].
4- تربية إبراهيم
أسرته على الطاعة
والتسليم الكامل لأمر
الله عز وجل.
5- قوة إيمان هاجر
وعظم توكلها وثقتها
بربها عز وجل "إذن لا
يضيعنا".
6- التوجه إلى الله
وحده بالدعاء والتضرع
في كل حال، فإبراهيم
عليه السلام لما نفذ
أمر ربه بوضع أسرته
في ذلك الموقع
الموحش، توجه إلى
الله بالدعاء لهم
بالأنس والرزق
والبركة، ومن توكل
على الله كفاه، ومن
ركن إليه آواه، ومن
سأله وتضرع إليه
أعطاه.
7- إن الله سبحانه
وتعالى لا يضيع من
توكل عليه وحده وسلم
الأمر إليه، مهما
ادلهمت الخطوب واشتدت
الكروب، فإنه لا يأس
من روح الله ورحمته.
فهذه أم إسماعيل لما
انتهى طعامها وماؤها
أرسل الله إليها
غوثاً من عنده، وأجرى
لها الماء بأمره جل
وعلا.
8- من أقبل على الله
تعالى والتزم أمره
وتوجه إليه بالعبادة
دون سواه، رفع الله
ذكره في العالمين،
انظر رحمك الله كيف
بقيت ذكرى أم إسماعيل
في السعي إلى يومنا
هذا.
9- من كان همه الدنيا
والتمتع فيها فلا
يصلح أن يجاور نبياً
من أنبياء الله تعالى
أهل العبادة والصلاح
والعمل والهمة
العلية، ولهذا أمر
إبراهيم عليه السلام
ابنه إسماعيل أن يطلق
تلك المرأة التي شكت
إليه شدة العيش.

الحكمة من بناء
البيت:
وأنت تدرك معي أخي
الكريم السر الذي من
أجله بني هذا البيت،
إنه من أجل توحيد
الله ونبذ الشرك، كما
قال تعالى:
((
وَإِذْ بَوَّأْنَا
لِإِبْرَاهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ
أَنْ لا تُشْرِكْ بِي
شَيْئًا وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ
وَالْقَائِمِينَ
وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ *
وَأَذِّنْ فِي
النَّاسِ بِالْحَجِّ
يَأْتُوكَ رِجَالًا
وَعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ
مِنْ كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ
))[الحج:26-27].
قال ابن كثير في
تفسيره:
هذا فيه تقريع
وتوبيخ لمن عبد غير
الله وأشرك به من
قريش، في البقعة التي
أسست من أول يوم على
توحيد الله وعبادته
وحده لا شريك له،
فذكر تعالى أنه بوأ
إبراهيم مكان البيت،
أي أرشده إليه وسلمه
له وأذن له في بنائه،
(أن لا تشرك بي
شيئاً) أي ابنه على
اسمي وحدي (وطهر
بيتي) قال قتادة
ومجاهد: من الشرك (للطائفين
والقائمين والركع
السجود) أي اجعله
خالصاً لهؤلاء الذين
يعبدون الله وحده لا
شريك له، فالطائف به
معروف، وهو أخص
العبادات عند البيت،
فإنه لا يفعل ببقعة
من الأرض سواها
(والقائمين) أي في
الصلاة، ولهذا قال:
(والركع السجود) فقرن
الطواف بالصلاة
لأنهما لا يشرعان إلا
مختصين بالبيت،
فالطواف عنده والصلاة
إليه.
وقال القرطبي في
تفسيره
(أَن لاّ تُشْرِكْ)
هي مخاطبة لإبراهيم
عليه السلام في قول
الجمهور. وقرأ عكرمة
(أن لا يُشْرِك)
بالياء، بمعنى لئلا
يشرك. وفي الآية طعن
على من أشرك من
قُطّان البيت أي هذا
كان الشرط على أبيكم
فمَن بعده وأنتم، فلم
تَفُوا بل أشركتم.
وأمر بتطهير البيت
والأذان بالحج.
والجمهور على أن ذلك
لإبراهيم وهو الأصح.
وتطهير البيت عام في
الكفر والبدع وجميع
الأنجاس والدماء.
وقيل: المعنى نزّه
بيتي عن أن يعبد فيه
صنم. وهذا أمر بإظهار
التوحيد فيه.
والقائمون هم
المصلون. وذكر تعالى
من أركان الصلاة
أعظمها، وهو القيام
والركوع والسجود.
فللتوحيد بني هذا
البيت ومن أجل
التوحيد عمر، ولأهل
التوحيد وحدهم شيد،
ومن أجلهم طهر البيت
من الشرك والبدع
والخرافات، وهؤلاء
الطائفون والركع
السجود هم الذين من
أجلهم أقيم هذا البيت
لا لأولئك الذين
يشركون بالله تعالى،
ويتوجهون بالعبادة
إلى سواه.
وينبغي على المسلم أن
لا يتكل على عمله
مهما كان صحيحاً
صواباً، فإبراهيم
وإسماعيل عليهما
السلام يأمرهما الله
جل وعلا ببناء بيته
المحرم من أجل
توحيده، فيقومان بذلك
خير قيام ومع ذلك لم
يتكلا على عملهما بل
يسألان الله تعالى
دائماً قبول العمل:
((
وَإِذْ يَرْفَعُ
إِبْرَاهِيمُ
الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ
رَبَّنَا تَقَبَّلْ
مِنَّا إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ
))[البقرة:127] فليس
صواب العمل كافٍ في
القبول، بل لا بد أن
يصاحبه الإخلاص لله
تعالى الخالص من
شوائب الشرك، وحظوظ
النفس.
وكان عليه الصلاة
والسلام وهو الموحد
أبو الموحدين يخشى من
الشرك فيقول: ((
وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَنْ
نَعْبُدَ الأَصْنَامَ
))[إبراهيم:35] فهل
أحد بعد إبراهيم عليه
السلام لا يخاف على
نفسه من الوقوع في
الشرك!! لهذا ينبغي
على كل مسلم أن يكون
دائماً يقظاً منتبهاً
لنفسه من هذا الذنب
العظيم، فإن الشرك في
هذه الأمة أخفى من
دبيب النمل، كما أخبر
بذلك الصادق المصدوق
صلى الله عليه وسلم.
ذرية إسماعيل:
وبارك الله في ذرية
إسماعيل فتناموا
وصاروا قبائل،
وانتشروا في الجزيرة
العربية، وصاروا
يسمون العرب
المستعربة، وقد بقوا
على دين أبيهم
إبراهيم عليه السلام
مدة من الزمن، ثم بدأ
النقص عندهم، ودخلت
عليهم البدع من
المجاورين لهم شيئاً
فشيئاً، حتى دخلت
عليهم عبادة الأصنام
وكان أول من أدخل
الشرك إلى العرب عمرو
بن لحي الخزاعي.
روى البخاري عن
سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ قَالَ:
الْبَحِيرَةُ الَّتِي
يُمْنَعُ دَرُّهَا
لِلطَّوَاغِيتِ وَلا
يَحْلُبُهَا أَحَدٌ
مِنَ النَّاسِ
وَالسَّائِبَةُ
الَّتِي كَانُوا
يُسَيِّبُونَهَا
لِآلِهَتِهِمْ فَلا
يُحْمَلُ عَلَيْهَا
شَيْءٌ قَالَ:
وَقَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: قَالَ
النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم:
{
رَأَيْتُ عَمْرَو
بْنَ عَامِرِ بْنِ
لُحَيٍّ
الْخُزَاعِيَّ
يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي
النَّارِ وَكَانَ
أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ
السَّوَائِبَ }.
وفي المسند أيضاً عن
ابن مسعود عن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال:
{ أول من سيب السوائب
وعبد الأصنام أ& |