الرئيسة - رد شبهات المجيزين - الرد على البوصري والرفاعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على البوطي والرفاعي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين وإمام المتقين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد اطلعت على أوراق للكاتب الأستاذ يوسف هاشم الرفاعي سودها بما زعم أنه نصيحة لعلماء نجد، أفرغ فيها ما في جعبته وجعاب الذين تعاونوا معه على لإثم والعدوان.  من تهجم على من زعم نصحهم وكذب عليهم ودعوة إلى البدع والضلال، وكأنه لم يجد في بلده الكويت من يشد أزره على وزره، فيمم نحو الشام ليجد في الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بغيته المطلوبة وضالته المنشودة، فيقدم لأوراقه، ويتفق معه في الوقيعة بالمتمسكين بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.

 وقبل مناقشته في كثير مما اشتملت عليه أوراقه أشير إجمالا إلى أمور هي:

1.    جعل الكاتب ما زعمه نصيحة موجها لعلماء نجد وهو في الحقيقة موجه لكل ملتزم بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.  

2.    أورد الكاتب أمورا عابها على من زعم نصحهم، وهو من الحق الذي لم يوفق للهداية إليه - هداه الله وأصلح حاله -.  

3.    أورد أمورا هي من البدع ومحدثات الأمور عاب على من زعم نصحهم عدم الأخذ بها، ودعوتهم إلى تركها والابتعاد عنها.  

4.    عاب على من زعم نصحهم أمورا لا حقيقة لها، وهم برآء منها.  

5.    أورد أمورا لاحظها على فرد أو أفراد وأسندها إلى من زعم نصحهم، ليكثر بذلك خصومه يوم القيامة.  

6.  شمل الكاتب بعطفه وشفقته الفرق المختلفة، بل حتى السحرة ومهربي المخدرات، ولم يبخل بذلك إلا على من زعم نصحهم ، وكأنه ليس أمامه في الميدان إلا من يتبع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة.  

7.  تعرض في أوراقه للنيل من حكام المملكة وقضاتها ومفتيها وبعض الأئمة والخطباء، وكيفية القبول في الجامعات، وتعيين الخريجين والدعاة وغير ذلك.  فكان بذلك مجيدا لما يقال له: التدخل في الشؤون الداخلية.  

وذكرني صنيعه هذا كلمة قالها الإمام يحيى بن معين - رحمه الله - في أحد الرواة.  حيث قال: (يفسد نفسه، يدخل في كل شيء).  

8.  كل ما في أوراق الكاتب يوافقه عليه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، كما ذكر ذلك في تقديمه للأوراق، وكل رد على الكاتب هو رد على المقدم لها.  

وهذا أوان الشروع في مناقشة الكاتب في بعض ما اشتملت عليه أوراقه.  وما يذكر خير دليل على ما لم يذكر.  

1)  قال الكاتب: (كان أسلافكم حنابلة المذهب يتبعون ويقلدون مذهب الإمام الشيخ أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، ابتداء من ابن تيمية وابن القيم).  

ثم ذكر جماعة من الحنابلة منهم: ابن قدامة المقدسي، وابن هبيرة، ثم قال: (و ختاما بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده والمفتي محمد بن ابراهيم وابن حميد - رحمهم الله جميعا - ولكنكم الآن تخليتم عن هذا المذهب وقلتم (إنكم سلفيون). . .  وأنكم تلتزمون بالكتاب والسنة فقط. . . ).  

ويجاب عن كلامه من وجوه:

الأول: أنه ذكر ابن قدامة وابن هبيرة بعد ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم، والواقع أنهما متقدمان عليهم، لأن وفاة ابن تيمية سنة (728هـ)، أما ابن قدامة فكانت وفاته سنة (620هـ)، وقبله ابن هبيرة كانت وفاته سنة (562هـ)، فلم يميز الكاتب بين من هو متقدم ومن هو متأخر!!

الثاني: أن علماء نجد الذين وصفهم الكاتب بأنهم تخلوا عن المذهب الحنبلي لم يتخلوا عنه كما زعم، بل درسوه ودرّسوه، فالشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-كان يدرسّ في كلية الشريعة بالرياض الروض المربع شرح زاد المستنقع، وأنا ممّن درس عليه، والشيخ ابن عثيمين يدرسّ زاد المستنقع، وقد طُبع من شرحه عدةُ مجلدات، وكذلك غيرهما، بل إنّ الكاتب وغيره يسمعون في إذاعة القرآن الكريم شرح الشيخ صالح الفوزان "زاد المستنقع "وشرح الشيخ عبد الرحمن الفريان "آداب المشي إلى الصلاة "للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وعلى هذا فهُم لم يتخلّوا عن التعصب له، وإذا وجد الدليلُ الصحيح على خلاف الذهب صاروا إلى ما دلّ عليه الدليل.

وإذا فلا فرق بين الذين زعم نصحَهم، ووصفهم بأنّهم تخلّوا عن المذهب الحنبلّي، وبين من وصفهم بإتّباعه كابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيِرهم، فإنّ الكلّ درسوا المذهب الحنبليّ واستفادوا من كتب الذهب، وإذا تبيّن أنّ الدليل على خلافه صاروا إليه.

الثالث: أنّ هذا المسلك الذي عليه علماء الحنابلة الملتزمون بالدليل من الكتاب والسنّة هو الذي عليه أهلُ الإنصافِ من مذاهب الأئمة الآخرين، ومن أمثلة كلامهم في ذلك:

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/306): (قال أصبغ: المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أكابر الصحابة في الحضر أثبت عندنا وأقوى من أن نتبع مالكا في خلافه).  

و قال في الفتح (1/276): (المالكية لا يقولون بالترتيب في الغسل من ولوغ الكلب، قال القرافي منهم: قد صحت فيه أحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها!).  

وقال في الفتح (3/189): (قال ابن العربي المالكي: قال المالكية: ليس ذلك - أي الصلاة على الغائب - إلا لمحمد قلنا: وما عمل به محمد صلى الله عليه وسلم تعمل عليه أمته، يعني أن الأصل عدم الخصوصية، قالوا: طويت له الأرض وأحضرت له الجنازة بين يديه! قلنا: إن ربنا عليه لقادر، ، إن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولا إلا ما رويتم، ولا تحدثوا إلا بإثباتات ودعوا الضعاف، فإنها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف) وانظر نيل الأوطار للشوكاني (4/54).  

وقال ابن كثير - رحمه الله - في تعيين الصلاة الوسطى: (و قد ثبتت السنة بأنها العصر، فتعين المصير إليها) ثم نقل عن الشافعي أنه قال: (كل ما قلت فكان عن النبي بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولا تقلدوني، وقال أيضا: إذا صح الحديث وقلت قولا، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك) ثم قال ابن كثير: (فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، ومن هنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي - رحمه الله - أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر - وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح - لصحة الأحاديث أنها صلاة العصر وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب.  ولله الحمد والمنة) تفسير ابن كثير (1/294) عند قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى )) .

وقال ابن حجر في الفتح 2/222): (قال ابن خزيمة في رفع اليدين عند القيام من الركعتين: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي فالإسناد صحيح وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي).  

وقال في الفتح أيضاً (2/95): "قال ابنُ خزيمة: ويَحرم على العالم أن يخالف السنّة بعد علمِه بها".

وقال في الفتح (2/470): "روى البيهقي في المعرفة عن الربيع قال: قال الشافعي ّ: قد روي حديث فيه أنّ النساء يتركن إلى العيدين، فإن كان ثابتاً قلتُ به، قال البيهقي: قد ثبت وأخرجه الشيخان -يعني حديث أمّ عطية - فيلزم الشافعيّة القول به".

وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (4/49) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل وقال: "أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في هذا -أي الوضوء من لحم الإبل -حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه ".

وقال ابن حجر في شرح حديث ابن عمر: {أمرت أن أقاتل الناس } في قصّة مناظرة أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة، قال: "وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطّلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء - ولو قويت -مع وجود سُنّة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي ذا على فلان ؟!". الفتح (1/76).

وقال في الفتح (3/544): وبذلك -أي بإشعار الهدي - قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاويّ في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه للاتباع، حتى صاحباه محمد وأبو يوسف، فقالا: هو حسن".

الرابع: أنّ أهل السنّة المتّبعين لنصوص الكتاب والسنّة أسعد من غيرهم باتّباع الأئمة الأربعة لأنهم المنفذون لوصاياهم، قال ابن القيم في كتاب الروح (ص: 395-396): " فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النصّ لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، من هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظرٍ فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمي تقليداً، بخلاف من استعان بفهمه، واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ".

الخامس: أن أهل السنة الآخذين بوصايا الأئمة باتباع ما دل عليه الدليل -ومنهم من زعم الكاتب نصحهم -يوافقون الأئمة في أصول الدين، ويستفيدون من فقههم في الفروع، بخلاف كثير من المتعصبين لهم، فإنهم يخالفونها في العقيدة فيتبعون مذهب الأشاعرة، ويقلدونهم في الفروع.

2-أنكر الكاتب على من زعمهم نصحهم عدم السماح بإدخال كتاب "دلائل الخيرات" للجزولي إلى البلاد السعودية.

ويجاب بأن كتاب دلائل الخيرات مشتمل على صلوات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم محدثة، وفيها غلو، وما ثبت في الصحيحين وغيرهما من كيفيات للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها غنية وكفاية عما أحدثه المحدثون، ولا شك أن ما جاءت به السنة وفعله الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان هو الطريق المستقيم والمنهج القويم، والفائدة للآخذ به محققة، والمضرة عنه منتفية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة} .  

وكتاب دلائل الخيرات اشتمل على أحاديث موضوعة وكيفيات للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها غلو ومجاوزة للحد ووقوع في المحذور الذي لا الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو طارئ لم يكن من نهج السابقين بإحسان.

قال الشيخ محمد الخضر بن ما يابى الشنقيطي في كتابه "مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني ": "فإن الناس مولعة بحب الطارئ، ولذلك تراهم دائماً في الصلوات المروية في دلائل الخيرات ونحوه، وكثير منها لم يثبت له سند صحيح، ويرغبون عن الصلوات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح البخاري".

ومما ورد في دلائل الخيرات من الكيفيات المنكرة للصلاة على النبي قول مؤلفه: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمداً وآل محمدٍٍ حتى لا من الرحمة شيء، وبارك على محمد وآل محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من السلام شيء".

فإن قوله: (حتى لا يبقى من الصلاة والرحمة والبركة والسلام شيء)، من أسوأ الكلام وأبطل الباطل، لأن هذه الأفعال لا تنتهي، وكيف يقول الجزولي: حتى لا يبقى من الرحمة شيء، والله تعالى يقول: ((ورحمتي وسعت كل شيء))؟!

وقال في (ص: 71): "اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، ولسان حجتك، وعروس مملكتك، وإمام حضرتك، وطراز ملكك، وخزائن رحمتك. . . . إنسان عين الوجود، والسبب في كل موجود. . . . ".

وقال في (ص: 64): "اللهم صل على من تفتّقت من نوره الأزهار. . . اللهم صل على من اخضرت من بقية وضوئه الأشجار، اللهم صل على من فاضت من نوره جميع الأنوار. . . ".

فإن هذه الكيفيات فيها تكلف وغلو لا يرضاه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي قال: {لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله}، أخرجه البخاري في صحيحه.  

وقال في (ص: 144، 145): اللهم صل على محمد وآل محمد ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم، وشدت العمائم، ونمت النوائم. . . ".  

فإن في قوله: "ونفعت التمائم" إشادة بالتمائم وحثّا عليها، وقد حرمها صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له".

ومما ورد فيه من الأحاديث الموضوعة قوله في (ص: 15):

"وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: {من صلى علي صلاة تعظيماً لحقي خلق الله عز وجل من ذلك القول ملكاً له جناح بالمشرق والآخر بالمغرب، ورجلاه مقرورتان في الأرض السابعة السفلى، وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله عز وجل له: صل على عبدي كما صلى على نبيي، فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة } .

وقال في (ص: 16): "وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {ما من عبد صلى علي إلا خرجت الصلاة من فيه، فلا يبقى بر ولا بحر ولا شرق ولا غرب إلا وتمر به وتقول: أنا صلاة فلان ابن فلان صلى على محمد المختار خير خلق الله، فلا يبقى شيء إلا وصلى عليه، ويخلق من تلك الصلاة طائر له سبعون ألف جناح، وفي كل جناح سبعون ألف ريشة، وفي كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، يسبح الله تعالى بسبعين ألف لغة، ويكتب الله له ثواب ذلك كله} .

هذان حديثان من أحاديث دلائل الخيرات يصدق عليهما قول العلامة ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلاقها"، ثم ضرب لذلك بعض الأمثلة، ثم قال: "فصل ونحن ننبه على أمور كلية، يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، فمنها اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله، وهي كثيرة جداً، كقوله في الحديث المكذوب: من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، وفي كل مدينة سبعون ألف قصر، وفي كل قصر سبعون ألف حوراء، وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا تخلو حال واضعها من أحد الأمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقاً قصد التنقيص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإضافة مثل هذه الكلمات إليه".

ومن الواضح الجلي أن مثل هذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله مباينة تمام المباينة لما أوتيه صلى الله عليه وآله وسلم من جوامع الكلم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: {دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك} ، وقوله: {الدّين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم} ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه} .

وبعد هذا الإيضاح والبيان لبعض ما اشتمل عليه كتاب دلائل الخيرات من الأحاديث الموضوعة، والكيفيات المحدثة للصلاة على النبي يتبين أن المنع من دخول المملكة منع في محله، وأن فيما ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيان كيفية الصلاة عليه ما يغني عن إحداث المحدثين وتكلف المتكلفين.

3- قال الكاتب: "ضيقتم ثم أوصدتم وأقفلتم باب النصيحة من المسلمين لأئمتهم وحكامهم وأولي الأمر منهم، وأفتيتم بمعصية من يخالف ذلك، وعاديتموه، في الوقت الذي فيه المسلمون وحكامهم بأمس الحاجة إلى الوعظ والنصيحة بالحسنى، وصلى الله تعالى على القائل: {الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم} .  

والجواب: أن النصح للولاة وغيرهم يكن نافعاً إذا كان سراً وبالرفق واللين، قال الله تعالى للنبيين الكريمين موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى))، وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: {إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه} رواه مسلم.

وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن أبي وائل قال: قيل لأسامة ـ هو ابن زيد ـ رضي الله عنهما: لو أتيت فلاناً- هو عثمان ابن عفان رضي الله عنه- فكلمته؟ قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم؟ إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه".

قال الحافظ في شرحه: "أي: كلّمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر، بغير أن يكون في كلامي ما يثير الفتنة أو نحوها".

وثبت في مسند الإمام أحمد والسنة لابن أبي عاصم ومستدرك الحاكم عن عياض بن غنم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: {من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له} .

أما إذا خلا النصح من الرفق ولم يكن سراً، بل كان علانية، فإنه يضر ولا ينفع، ومن المعلوم عن أي إنسان إذا كان عنده نقص يحب أن ينصح برفق ولين، وأن يكون ذلك سراً، فعليه أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.

ففي صحيح مسلم في حديث طويل عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: {فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه} .  

والنصح بالطريقة الأولى هو المشروع، وهو الذي يحصل به النفع والفائدة، ولا أحد يمنع هذا، بل لا يستطاع منعه، لأنه من الأمور الخفية، فمن أين للكاتب أن من زعم نصحهم أفتوا بمنع ذلك؟!وهل أحد منهم حال بين الكاتب وبين النصح لولاة الأمر في بلده أو غيرهم ؟!

وأما إذا كان النصح صدر من أفراد في نفوسهم شيء على من زعموا نصحه، فكتبوا نصيحة بذلك، وجمعوا توقيعات عليها، ثم وصلت إلى إذاعة لندن، وإلى رويبضات الزمن في لندن قبل أن تصل إلى من أريد نصحه، فهذا النصح غير سائغ، ولا لوم على من أفتى بكونه غير سائغ.

والعلماء الذين زعم الكاتب نصحهم وكذا طلبة العلم في بلادهم ينصحون لولاة الأمور في بلادهم وغير بلادهم، بالطريقة الأولى المشروعة، دون الطريقة الثانية، وبهذه المناسبة يجد صاحب هذا الرد على الكاتب أنه لا بأس من الإشارة إلى شيء من ذلك، فعندما حصل احتلال حكام العراق للكويت قبل عشر سنوات، وكانت حكومة الكويت في ذلك الوقت في مدينة الطائف، كتبت لسمو أمير الكويت كتاباً جاء فيه:

"فإن ما حدث للكويت حكومة وشعباً في ليلة الحادي عشر من شهر المحرم هذا العام (1411هجري) من هجوم مباغت قام به طغمة حزب البعث الحاكم في العراق بزعامة المجرم الأثيم صدام حسين، وما ترتب على ذلك من هلاك ودمار وانتهاك أعراض وسلب أموال وتشريد للرعاة والرعية، وإن ما حدث لاشك أنه مصيبة كبرى وكارثة عظمة أزعجت كل مسلم وأحزنت كل عاقل، وأظهرت بوضوح مدى خطر العدو الذي يظهر نفسه في صورة الصديق، والله المسؤول أن ينصر المظلوم ويدحر الظالم، وأن تعود إلى الكويت سلامته وأمنه وأن يعود أهله إليه عوداً حميداً.

ولا يخفى على سموكم وأنتم تقرؤون القرآن أن الله بين في كتابه الأسباب الحقيقية لحصول المصائب ووقوع الكوارث، والأسباب الحقيقية لحصول النعم وبقائها، والتمكين في الأرض والنصر على الأعداء، فقال: ((وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ))، قال: ((إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم))، وقال: ((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))، وقال: ((ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)).

والله تعالى يبتلي بالنعم، ويبتلي بالنقم كما قال تعالى: ((ونبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون))، وهذه النكبة العظيمة التي حلت بالكويت هي ابتلاء وامتحان من الله لأهله، وفيها عبرة وعظة لهم ولغيرهم، ليفكر كل عاقل في أسباب سعادة الدنيا والآخرة، فيأخذ بها ويسلك الطرق الموصلة إليها، ويحذر كل ناصح لنفسه سلوك كل طريق يؤدي بصاحبه إلى سخط الله وعقوبته، ومن المعلوم أن تلك الأسباب ترجع إلى امتثال أوامر الله ورسوله واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله والالتزام بشرع الله، ولا شك أن المسؤولية العظمى في كل قطر من أقطار المسلمين تقع على ولاة الأمر فيه الذين يمكنهم بإذن الله وتوفيقه تطبيق شريعة الله وتوفيقه تطبيق شريعة الله وحكم شعوبهم بكتاب ربهم وسنّة نبيهم محمد، ونبذ القوانين الوضعيّة، والله المسؤول أن ينهي هذه الفتنة التي جاءت من العراق على خير، لكن ماذا بعد انتهاء الأزمة ؟

إن الخير لكم وللشعب الكويتي أن يحصل منكم العزم والتصميم على أن نكون شكركم لله على رفع البلاء عنكم ودحر المعتدى عليكم أن تحكّموا شريعة الله، وأن يكون وضع الكويت فيما بعد انتهاء الأزمة غيره قبلها، وذلك بالالتزام بالحق والهدى الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وقبل ثلاثة عشر عاماً في بداية تولي سموكم إمارة دولة الكويت بعثت لكم الرسالة المرفق صورتها وفيها تذكير سموكم بالواجب عليكم في ولايتكم، وأسأل الله أن يكشف الغمة، ويقطع دابر الفتنة، وأن يوفقكم لما تحمد عاقبته في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

والرسالة المشار إليها هي بتاريخ 6/2/1398 هجري وقد جاء فيها:

"ومما هو معلوم لسموكم أن واجب من يتولى أمر المسلمين في قطر من أقطارهم أن يقيم فيهم شرعه، ويقف بهم عند حدوده وفاء. بمسؤولية ولايته أمام ربه، وإقتداء بما كان عليه سلفنا الصالح إذا ولي أحدهم أمر المسلمين، وأن ذلك هو الطريق الوحيد لعلاج حال المسلمين وسعادتهم في دنباهم وفوزهم في أخراهم، فما أصاب المسلمين مما أصابهم ومكّن منهم أعداءهم إلا بسبب إعراضهم عن هدى ربهم وتمكبهم عن صراطه المستقيم، واتباعهم السبل الأخرى التي تفرقت بهم عن سبيله، وهم أحوج ما يكون إلى حكام يعودون بهم إلى سبيل ربهم، ويحملونها على اتباع أوامر هو اجتناب نواهيه، ويحكمونهم بشرعه، فيستعيدون عزتهم ومجدهم ومكانتهم بين الأمم، كما وصفهم الله عز وجل: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ))، ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ))، ((وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)).

وإن ما عرف فيكم يا صاحب السمو من عقل راجح وفطنة وحكمة، وبصيرة وبُعد نظر ليقوي الرجاء في أن يتحقق في عهدكم لشعب الكويت كل ما رجوه من خير وتقدم وازدهار في ظل حياة إسلامية قائمة على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وتطبيق شريعته في دستور الدولة وقوانينها ونظمها وتعليمها وسائر شؤونها.  

تولاكم الله عز وجل ورعاكم وأمدكم بتوفيقه وأعانكم على ما فيه العزة لدينه والخير لعباده، إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".  

وأول رسالة نصح لولي أمر كانت للملك فيصل رحمه الله، بعثتها في تاريخ (2/10/1383 هجري)، وكانت إجابته عليها قبل مضي نصف شهر.

4- قال الكاتب: (سميتم المصحف الشريف الذي أمر بطبعه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - جزاه الله خيرا - بـ (مصحف المدينة النبوية) بدلا من أن يسمى (مصحف المدينة المنورة)، وكأنكم لا تقرون أن هذه المدينة المباركة قد استنارت، بل استنارت الدنيا كلها ببعثة ورسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. . . )

و الجواب: أنه قد ورد لفظ المدينة في الكتاب والسنة غير مقيد بوصفها بـ (النبوية) أو (المنورة) أو غير ذلك.  وإطلاق لفظ المدينة ينصرف إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.  قال ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك: (من أقسام الألف واللام أنها تكون للغلبة، نحو (المدينة) و(الكتاب)، فإن حقهما الصدق على كل مدينة وكل كتاب، لكن غلبت المدينة على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، و(الكتاب) على كتاب سيبويه رحمه الله تعالى.  حتى أنهما إذا أطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما).  ثم أنه حصل وصف المدينة بالنبوية في كلام بعض العلماء المتقدمين، كابن كثير في البداية والنهاية والتفسير وكابن حجر في الفتح.  

انظر: البداية والنهاية (10/262)، والتفسير (4/143)، وفتح الباري لابن حجر (1/569) و(5/88)، (6/128، 623) و(7/198) و(11/250، 262) و(13/101) وفي العصور المتأخرة وصفت المدينة بالمنورة ولا شك أن المدينة وسائر الأقطار عمها نور الهداية بالبعثة، وقد وصف الرسول الكريم بأنه سراج منير، وصف القرآن بأنه نور، والمراد بالنور المضاف إلى القرآن وإلى الرسول نور الهداية، وأهل السنة المتبعون للسلف الصالح يصدقون بذلك، ويدعون الناس إلى هذا النور، وأما غيرهم من أهل البدع فإنهم يصرفونهم عن النور، ويدعونهم إلى البدع ومحدثات الأمور.  

ووصف المدينة بـ (النبوية) في العصور المتقدمة اصطلاح.  ووصفها بـ (المنورة) في عصور متأخرة اصطلاح، ولا مشاحة في ذلك، فلا وجه لإنكار الكاتب على من زعم نصحهم وصفها بـ (النبوية) مع أنه وصف فيه إضافتها إلى النبي، وهو أيضا من المتقدمين.  

5- قال الكاتب: (تصرون على تسمية الجنة المشرفة على شؤون الحرمين الشريفين (رئاسة الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف)، ولا تقولون (الحرم النبوي الشريف) وكذلك في إعلانات الطرق الدالة على ذلك والموجهة إليه، فلماذا لا يكون مسجده صلى الله عليه وسلم حرما؟ كيف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كلها حرما) ثم ذكر حديثين في تحريم المدينة.  

و الجواب: أن الجهة المسؤولة عن المسجد الحرام والمسجد النبوي سميت أول إنشائها باسم (الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين) ثم عدل الاسم إلى (الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي) ولا تزال تلك التسمية، بل إن المياه المبردة في المسجد الحرام والمسجد النبوي مكتوب على أوعيتها هذا الاسم.  وكذلك على ثياب العمال في المسجدين.  بل إن من يضغط على رقم هاتف مقسم هذه الرئاسة بمكة يسمع تسجيلا بهذه التسمية.  ولم تسم الجهة المشرفة على المسجدين الشريفين باسم (رئاسة الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف) كما زعم الكاتب.  لكنها الرغبة في الاعتراض.  ولو كان المعترض فيه ليس له أساس، فمن أين جاءت هذه التسمية المزعومة.  فضلا عن الإصرار المزعوم عليها!!

وهذه الورطة التي وقع فيها الكاتب هي من جملة الجنايات التي جناها عليه الذين جمعوا له مادة أوراقه!! وأهل السنة يؤمنون بما صحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم المدينة، وأفضل بعقة في حرم المدينة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، بخلاف سائر حرم المدينة.  لكن إطلاق الحم على خصوص مسجده صلى الله عليه وسلم هو من الخطأ الشائع، ومثله إطلاق ثالث الحرمين على المسجد الأقصى، فإن الحرمين هما مكة والمدينة وليس لهما ثالث والتعبير الصحيح أن يقال: ثالث المسجدين، أي: المشرفين المعظمين.  

6- أنكر الكابت على من زعم نصحهم عدم إيجاد علامة تدل على القبلة الأولى إلى المسجد الأقصى، وذلك في المسجد المسمى (مسجد القبلتين).  

والجواب: أنني لم أجد شيئا ثابتا يدل على أن تحويل القبلة كان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد بني سلمة الذي قيل: أنه مسجد القبلتين، وإنما جاء ذلك في كلام الواقدي، ذكره عنه ابن سعد في الطبقات، عبر عنه الواقدي في قوله: (و يقال).  وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري.  

والواقدي قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: (متروك مع سعة علمه) ولو صح لم يكن فيه دليل على فضل هذا المسجد، لأن الفضل إنما يثبت بالنص عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في مسجده ومسجد قباء.  ثم لا أدري ماذا يريد الكاتب من إيجاد علامة تدل على القبلة الأولى عند بناء المسجد ؟

هل يريد أن يوضع محراب إلى جهة بيت المقدس، كالذي جعل إلى جهة الكعبة!! فإن ذلك لا يتجوز وفي تحقيقه فتنة للناس، بأن يصلي بعض الجهال إلى جهة بيت المقدس وقد حصل ذلك بدون وجود محراب، كما ذكر ذلك بعض من شاهده حتى في موسم الحج العام الماضي (1420) هـ وقد سألني قبل عدة سنوات وأنا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم سائل يقول: أني رأيت أناسا يصلون فرادى إلى الجهة الخلفية من مسجد القبلتين وصليت ركعتين إلى تلك الجهة وهذه هي النتيجة التي تترتب على رغبة الكاتب في إيجاد علامة إلى القبلة الأولى المنسوخة والله الهادي إلى سواء السبيل.  

7- قال الكاتب: (لا يجوز اتهام المسلمين الموحدين الذين يصلون معكم ويصومون ويزكون ويحجون البيت ملبين مرددين: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) لا يجوز اتهامهم بالشرك.  كما تطفح كتبكم ومنشوراتكم وكما يجأر خطيبكم يوم الحج الأكبر من مسجد الخيف بمنى صباح عيد الحجاج وكافة المسلمين.  وكذلك يروع نظيره في المسجد الحرام يوم عيد الفطر بهذه التهجمات والافتراءات أهل مكة المعتمرين، فانتهوا هداكم الله تعالى!

وترويع المسلم حرام، لاسيما أهالي الحرمين الشريفين، وفي هذا المعنى نصوص شريفة صحيحة ".

وقال أيضاً: "لقد كفّرتم الصوفية ثم الأشاعرة، وأنكرتم واستنكرتم تقليد واتباع الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل) في حين أن مقلدي هؤلاء كانوا وما زالوا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، كما أن المنهج الرسمي لدولتكم والذي وضعه الملك عبد العزيز-رحمه الله-ينص على اعتماد واعتبار المذاهب الأربعة، فانتهوا هداكم الله".  

وقال أيضاً: ". . . ولكنكم تكفّرون الصوفية كافة، وتصفونهم بالابتداع والشرك!!".

والجواب من وجوه:

الأول: أن قوله في الذين زعم نصحهم أنهم يتهمون المسلمين بالشرك، وأنهم يكفرون إلا من كفره الله ورسوله، ولا يكفر المسلم بذنب إلا إذا استحله، وكان ذلك الذنب مما علم من الدين تحريمه بالضرورة قال الإمام الطحاوي-رحمه الله- في عقيدة أهل السنة والجماعة: "ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله".

والبدع تنقسم إلى قسمين:

-بدعة مكفرة: كالاستغاثة بالأموات والجن والملائكة ونحوهم، وطلب الحاجات وكشف الكربات منهم، قال الله عز وجل: (( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ءإلة مع الله قليلاً ما تذكرون)).

-وبدعة مفسقة: كالتوسل إلى الله بالأموات والملائكة ونحوهم.

والصوفية المذمومون الذين يلهج بهم الكاتب من جملة أهل البدع، فيهم من بدعته مكفرة، كابن عربي وأضرابه، ومن بدعته مفسقة.

الثاني: أن الذي اشتملت عليه كتب من زعم نصحهم، وكذا خطب الخطباء الذين أشار إليهم، إنما هو التحذير من الشرك، والدعوة إلى إخلاص العبادة لله عز وجل، وهذه هي وظيفة الرسل، كما قال الله غز وجل: ((وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون))، وقال سبحانه وتعالى: ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)).

والمسلمون في الحرمين وكذا غيرهم في كل مكان يسمعون الخطب من المسجدين الشريفين في مكة والمدينة بواسطة الإذاعة، وليس فيها -بحمد الله- ما يروع، كما زعم الكاتب، بل فيها -بحمد الله - ما يروع، كما زعم الكاتب، بل فيها ما يسر النفوس ويثلج الصدور، لأنها دعوة إلى الحق والهدى الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم ونسأل الله عز وجل أن يهدي قلب الكاتب ومن على شاكلته ليروا الحق حقاً فيتبعوه، والباطل باطلاً فيجتنبوه.

الثالث: أما قول الكاتب عمن زعم نصحهم أنهم ينكرون ويستنكرون التقليد والاتباع للأئمة الأربعة، فهو غير صحيح، لأن من عنده علم ومعرفة بالدليل من الكتاب والسنة يجب عليه الأخذ بالدليل، كما قال الشافعي رحمه الله: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ"

وقال ابن خزيمة: "ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها".  (فتح الباري3/95)، وقال أيضا في رفع اليدين عند القيام من الركعتين: "هو سنة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي".  (2/222).

وأما العامي ومن لا يتمكن من معرفة الدليل فإنه يسوغ له التقليد، فإن الله عز وجل قد قال: ((فاتقوا الله ما استطعتم)).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن أهل السنة لم يقل أحد منهم: إن إجماع الأئمة الأربعة حجة معصومة، ولا قال: إن الحق منحصر فيها، وأن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، ومن قبلهم من المجتهدين- قولا يخالف الأئمة الأربعة، رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هو القول الذي قام عليه الدليل". منهاج السنة (3/412).

 وقال شيخنا شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله في رده على الصابوني في قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب الواجبات " قال: "لا شك أن هذا الإطلاق خطأ، إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه، لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس، وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغاً عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة، كما فصّل ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "إعلام الموقعين" ولذلك كان الأئمة رحمهم الله لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلا ما كان موافق للكتاب والسنة، قال الإمام مالك رحمه الله: "كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر"ويشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا قال إخوانه من الأئمة في هذا المعنى.  

فالذي يتمكن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعين عليه ألا يقلد أحداً من الناس، ويأخذ عنه الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق، والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم، كما قال الله عز وجل: (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )).  مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (3/52).

وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان (7/553-555): "لا خلاف بين أهل العلم في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكاماً غير أحكام الاختيار، فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاءً صحيحاً حقيقياً فهو في سعة من أمره فيه" إلى أن قال: " وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارا حقيقيا، بحيث يكون لا قدرة له البتة على غيره مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلاً على الفهم، أوله قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم، أو هو في أثناء التعلم، ولكنه يتعلم تدريجاً، لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك، فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة، لأنه لا مندوحة له عنه. وأما القادر على التعلم المفرط فيه والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي فهو ليس بمعذور".

وقال أيضا (7/555): "اعلم أن موقفنا من الأئمة رحمهم الله من الأربعة وغيرهم هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم، وهو موالاتهم ومحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم والثناء عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة، وتقديمهما على رأيهم، وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها.  

و أما المسائل التي لا نص فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا، لأنهم أكثر علما وتقوى منا.  

و لكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضى الله، وأحوطها وأبعدها من الاشتباه، كما قال عليه الصلاة والسلام: {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} وقال: {فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه} .  

و حقيقة القول الفصل في الأئمة - رحمهم الله - أنهم من خيار المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك.  

و لكن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حاكمان عليهم وعلى أقوالهم، كما لا يخفى فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم

فلا تك ممن يذمهم وينتقصهم، ولا ممن يعتقد أقوالهم مغينة عن كتاب الله وسنة رسوله أو مقدمة عليهما" اهـ.  

هذه بعض أقوال المحققين من أهل العلم في حكم التقليد، وعلى هذا فليس هناك إنكار ولا استنكار كما زعم الكاتب، بل إن الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - وهو الذي له نصيب كبير من حقد البوطي والرفاعي قد قال في رده على أبي غدة: (إن الانتساب إلى أحد من الأئمة كوسيلة للتعرف على ما قد يفوت الطالب من الفقه بالكتاب والسنة أمر لا بد منه شرعا وقدرا، فإن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب.  وعلى هذا جرى السلف والخلف جميعا، يتلقى بعضهم العلم عن بعض، ولكن الخلف - إلا قليلا منهم - خالف السلف حين جعل الوسيلة غاية، فأوجب على كل مسلم - مهما سما في العلم والفقه عن الله ورسوله من بعد الأئمة الأربعة - أن يقلد واحدا منهم، لا يميل عنه إلى غيره، كما قال أحدهم: وواجب تقليد حبر منهم!)

وهذا الذي قاله الشيخ الألباني - رحمه الله - عن المتعصبة للمذاهب قد جاء عن الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين عند قوله تعالى: (( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله )) إذ فهم الآية فهما خاطئا، وبنى عليه حكما من أبطل الباطل، أوضح الرد عليه شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - في تفسيره أضواء البيان عند قوله تعالى: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))وكلام الصاوي الباطل هو قوله - وبئس ما قال -: (و لا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية!! فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك إلى الكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!!!!).  

وهذا كلام من الصاوي من أسوأ الكلام وأبطل الباطل، ولو بحث أحد عن كلام سيء ينسب إلى مسلم قد لا يجد أسوأ منه، وقد جاء ذلك نتيجة لتفسيره القرآن بالرأي والتعصب للمذاهب، نسأل الله السلامة والعافية.  

الرابع: وأما الملك عبد العزيز - رحمه الله - فإنه على منهج السلف، يحترم الأئمة الأربعة ويوقرهم ويعول على الأدلة من الكتاب والسنة قال رحمه الله: (إننا لم نطع (ابن عبد الوهاب) وغيره إلا فيما أيدوه بقول من الكتاب والسنة، وقد جعلنا الله - أنا وآبائي وأجدادي - مبشرين ومعلمين بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه وتمسكنا به، وأما إذا لم نجد دليلا قويا أخذنا بقول الإمام أحمد) من تاريخ البلاد العربية السعودية لمنير العجلاني (1/229).  

8- قال الكاتب: (ترددون جملة الحديث الشريف: كل بدعة ضلالة، بدون فهم للإنكار على غيركم، بينما تقرون ببعض الأعمال المخالفة للسنة النبوية، ولا تنكرونها ولا تعدونها بدعة سنذكر بعضا منها فيما يأتي. . . )

و يجاب عن هذا من وجوه:

الأول: أن النبي بين في حديث العرباض بن سارية أنه سيوجد الاختلاف في هذه الأمة ومع وجوده يكون كثيرا، قال: {فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا} ثم أرشد عند وجود هذا الاختلاف إلى الطريق الأمثل والمنهج الأقوم، وهو اتباع السنن وترك البدع، فقال: {فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} .  فإنه صلى الله عليه وسلم رغّب في السنن بقوله: (فعليكم بسنتي. . . ) ورهب من البدع بقوله: {و إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة} .  ومثل ذلك حديث {ستفترق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا ومن هي يا رسول الله ؟ قال: من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي} .  

فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمة الإجابة ستفترق هذا التفرق الكثير، وأنه لا ينجو من العذاب إلا من كان على ما كان عليه الرسول وأصحابه، وهم الذين يتبعون الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما سلح به أولها).  

وروى الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة) ،

و ذكر الشاطبي في الاعتصام (1/28): أن ابن الماجشون قال: سمعت مالكا يقول: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: (( اليوم أكملت لكم دينكم )) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا)

و قال أبو عثمان النيسابوري: (من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة) انظر حلية الأولياء (10/244).  

و قال سهل بن عبد الله التستري: (ما أحدث أحد في العلم شيئا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة سلم وإلا فلا) فتح الباري (13/290).

وعلى هذا فإن الفهم الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: {و كل بدعة ضلالة} هو بقاء اللفظ على عمومه، وإن كل ما أحدث في دين الله بدعة، وهو مردود على من جاء به، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد}.  وفي لفظ لمسلم: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} .  

أما القول بأن من البدع ما هو حسن فغير صحيح، لأنه يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (و كل بدعة ضلالة) كما مر بإيضاحه في كلام ابن عمر ومالك وغيرهما المتقدم قريبا.  

و لا يصح الاستدلال لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم: {من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من علم بها} الحديث رواه مسلم.  لأن سياقه في القدوة بالخير، لأن النبي لما حث على الدقة، أتى رجل من الأنصار بصرة كبيرة فتابعه الناس على الصدقة فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال.  

الثاني: ذكر الكاتب أن من زعم نصحهم يقرون بعض الأعمال المخالفة للسنة، ولا يعدونها بدعة، ومن أمثلة ذلك عنده وضع حواجز بين الرجال والنساء في المسجد النبوي، قال عن ذلك: (و هذه بدعة شنيعة، لأنه إحداث ما لم يحدث في زمنه عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح، فقد كان يلي الإمام صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء يصلون جميعا وبلا حاجز خلفه صلى الله عليه وسلم).  

ويجاب عن ذلك: بأن من عجيب أمر الكاتب أن يرى هذا العمل بدعة، مع أن فيه سترا للنساء، وصيانة لهن من نظر الرجال إليهن ونظرهن إلى الرجال، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء} ، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها} .  

وجاء في آداب النساء في صلاتهن مع النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس}رواه البخاري ومسلم.  

وفي صحيح البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها: {أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال} .  

فهذان حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترغيب في تباعد النساء عن الرجال، وبعدهما حديثان في آداب صلاة النساء مع رسول الله.  ثم بعد ذلك تغيرت حال النساء حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل) رواه البخاري ومسلم.  

وفي هذا الزمان تغيرت أحوال النساء كثيرا، وحصل منهن التبرج والسفور، وسهل الوصول إلى مكة والمدينة للرجال والنساء، والمسجدان الشريفان حصل فيهما توسعة كبيرة، والنساء تأتي إليهما من جهات مختلفة، وخصص لهن أماكن معينة، وجعل الحواجز، حتى لا يختلطن مع الرجال، فأي مانع يمنع من ذلك!؟ بل وكيف يجوز أن يصفه الكاتب بأنه بدعة شنيعة. !!

مع أن أوراق الكاتب اشتملت على بدع واضحة جلية لم يعتبرها بدعا، كبدعة بناء القبب على القبور، والاحتفال بالمولد النبوي. !!

9- أشاد في أرواقه بتعظيم القبور وبناء القبب عليها، فوصف العيدروس فقال: (الإمام الرباني الحبيب العدني، بركة عدن وحضرموت رحمه الله) ونوه بمشهده وبناء قبته ووصفها بأنها مباركة. !!

والجواب: أن البناء على القبور واتخاذها مساجد قد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله في تحريمه والتحذير منه، لأنه من وسائل الشرك، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: {ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته} وفي لفظ: {و لا صورة إلا طمستها} .  

وفي الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: {لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مما صنعوا} .  

وقولهما رضي الله عنهما في الحديث: (لما نزل) يعنيان الموت، وقد اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أمور:

الأول: الدعاء على اليهود والنصارى باللعن.  

الثاني: بيان سبب اللعن، وهو اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.  

الثالث: بيان الغرض من ذكر ذلك، وهو تحذير هذه الأمة من الوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى، فيستحقوا اللعن.  

وثبت في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: {إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك} . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {قاتل الله اليهود، اتخذوا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وصف الذين يبنون المساجد على القبور بأنهم شرار الخلق عند الله.

وهذه الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتملت على التحذير من اتخاذ القبور مساجد مطلقاً، وبعضها يفيد حصول ذلك منه قبل أن يموت بخمس، وبعضها يفيد حصول ذلك عند نزول الموت به. والتحذير من ذلك جاء على صيغ متعددة، فجاء بصيغة الدعاء بمقاتلة الله لليهود، وجاء بوصف فاعلي ذلك بأنهم شرار الخلق عند الله، وجاء بصيغة لا الناهية في قوله: {ألا فلا تتخذوا القبور مساجد} ، وبصيغة لفظ النهي بقوله: {إني أنهاكم عن ذلك} . وهذا من كمال نصحه لأمته صلى الله عليه وسلم وحرصه على نجاتها وشفقته عليها، صلى الله وسلم وبارك عليه، وجزاه أوفى الجزاء، وأثابه أتم مثوبة. واتخاذ القبور مساجد يشمل بناء المساجد على القبر. كما قال صلى الله عليه وسلم في النصارى: {أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله} ، وهو في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. ويشمل قصدها واستقبالها في الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: {لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها} ، أخرجه مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.  ويشمل السجود على القبر من باب أولى، إذ هو أخص من بالصلاة إليه.  وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/27) في ترجمة عبد الله بن لهيعة أن الدفن في البيوت من خصائص النبي ص.

وأورد ابن كثير في البداية والنهاية ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (208هـ)، ونقل عن ابن خلكان أنه قال: "ولأهل مصر فيها اعتقاد"، ثم قال ابن كثير: "وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً، ولاسيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشعة، فيها مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز. . . . "إلى أن قال: ". . . . والذي ينبغي أن يعتقد فيها: ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام. . . ". وكانت وفاة ابن كثير رحمه الله سنة (774هـ).

وقد ألف في هذه المسألة العلامة الشوكاني المتوفى سنة (1250هـ) رسالة سماها "شرح الصدور بتحريم رفع القبور" أجاد فيها وأفاد، قال فيها: "اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين، لكنه وقع للإمام يحيى مقالة تدل على أنه يرى أنه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيره ولا روي عن أحد سواه، ومن ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جرى قوله واقتداء به، ولم نجد القول بذلك ممن عاصره أو تقدم عصره عليه أو تقدم عصره عليه، لا من أهل البيت ولا من غيرهم، ثم ذكر أن صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية ومرجع مذهبهم ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم بين غيرهم لم ينسب القول بجواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفضلاء إلا إلى الإمام يحيى وحده، فقال ما نصه: مسألة: الإمام يحيى: لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك، لاستعمال المسلمين ولم ينكر.  انتهى. . . "إلى أن قال الشوكاني رحمه الله: "فإذا عرفت هذا تقرر لك أن هذا الخلاف واقع بين الإمام يحيى وسائر العلماء من الصحابة والتابعين والمتقدمين من أهل البيت والمتأخرين، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ومن جميع المجتهدين أولهم وآخرهم، ولا يعترض هذا بحكاية من حكى قول الإمام يحيى في مؤلفه ممن جاء بعده من المؤلفين، فإن مجرد حكاية القول لا يدل على أن الحاكي يختاره ويذهب إليه. . . . . " إلى أن قال رحمه الله: "فإذا أردت أن تعرف هل الحق ما قاله غيره من أهل العلم فالواجب عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بالرد إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله ص. . . . ".  ثم ذكر بعض الآيات المقتضية ذلك، وبين وجه دلالتها على المطلوب، ثم ذكر جملة من الأحاديث الكثيرة الواردة عن الرسول في تحريم اتخاذ القبور مساجد، والتي مر ذكر بعضها، وبين أن ذلك يفضي بفاعله إلى الشرك بالله، ثم قال: "فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما يزينه الشيطان للناس من رفع القبور ووضع الستور عليها وتجصيصها وتزينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها ونظر على القبور الستور الرائعة والسرج المتلألئة وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور لهذا الميت من منزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى ضلال العباد، مما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلا، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين، وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند عند أول زورة، إذ لا بد له أن يخطر بباله أن هذه العناية البالغة من الأحياء بهذا الميت لا يكون إلا لفائدة يرجوها منه، إما دنيوية أو أخروية، فستصغر نفسه بالنسبة إلى من يراه من أشباه العلماء زائراً للقبر وعاكفاً عليه متمسحاً بأركانه، وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أموراً من أنفسهم وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين، وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرهم في مجالسهم وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب فيرونها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في البلية عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت خير عظيم وأجر كبير، ويعتقدون ذلك قربة عظيمة وطاعة نافعة وحسنة متقلبة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم على ذلك القبر، فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل، وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب لينالوا جانباً من الحطام من أموال الطغام الأغتام، وبهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغ عظيم حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه لبلغ ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الخبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة كبيرة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا نذر في معصية الله}، وهي أيضا من النذر الذي لا يبتغى به وجه الله، بل كلها من النذور التي يستحق فاعلها غضب الله وسخطه، لأنها تفضي بصاحبها إلى ما يفضي به اعتقاد الإلهية في الأموات من تزلزل قدم الدين، إذ لا يسمح بأحب أمواله وألصقها بقلبه إلا وقد وزع الشيطان في قلبه من محبة وتعظيم ذلك القبر وصاحبه، والمغالاة في الاعتقاد فيه ما لا يعود به إلى الإسلام سالماً، نعوذ بالله من الخذلان. . . . ". إلى أن قال: "وأما ما استدل به الإمام يحيى حيث قال: (لاستعمال المسلمين ذلك ولم ينكروه)، فقول مردود لأن علماء المسلمين ما زالوا في كل عصر يروون أحاديث الرسول في لعن من فعل ذلك، ويقررون شريعة الرسول في تحريم ذلك في مدارسهم ومجالس حُفاظهم، يرويها الآخر عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلم عن العالِم من لدن أيام الصحابة إلى هذه الغاية، وأوردها المحدثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمستندات والمصنفات، وأوردها المفسرون في تفاسيرهم، وأهل الفقه في كتبهم الفقهية، وأهل الأخبار والسير، فكيف يقال أن المسلمين لم ينكروا على من فعل ذلك، وهم يروون أدلة النهي عنه اللعن لفاعله خلفاً عن كل سلف في كل عصر؟! ومع ذلك فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في النهي عنه، وقد حكى ابن القيم عن شيخه تقي الدين رحمهما الله وهو الإمام المحيط بمذهب سلف هذه الأمة وخلفها أنه قد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: وصرح أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة، لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، إحساناً للظن بهم، وأن لا يظن بهم أن يجوّزوا ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه". انتهى.

هذه مقتطفات مما اشتملت عليه رسالة هذا الإمام من الإيضاح والتحقيق في هذه المسألة التي تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وأجمع العلماء على حكمها، ومع ذلك فقد تحقق للشيطان مراده في كثير من البلاد الإسلامية من مخالفة كثير من الناس ما تواتر وانعقد عليه الإجماع من تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وكأن الإجماع في نظرهم انعقد على جواز واستحباب ذلك، فالله المستعان ونعوذ بالله من الخذلان.  وعلى قاعدة ابن جرير التي ذكرها ابن كثير عند تفسيره قول تعالى: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه))وهي أن الخلاف الواحد أو الاثنين لا يوثر في الإجماع.

وإذا تأمل العاقل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة في تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وإجماع أهل العلم على ذلك وما نقل عنهم في ذلك، ولاسيما قول الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها)، ثم نظر في كلام الكاتب عن العيدروس ووصفه بأنه بركة عدن وحضرموت، وتنويهه بمشهده وبناء قبته، ووصفها بأنها مباركة، تبين له الفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ومن يدعو إلى الجنة ومن يدعو إلى النار!!

وإني أنصح الأستاذ الرفاعي والدكتور البوطي أن يتقوا الله في أنفسهم والمسلمين فلا يكونوا عوناً لهم على الافتتان بالقبور، بل يكونون عوناً لهم على الهداية إلى الصراط المستقيم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً} رواه مسلم.

10- أشاد الكاتب في أوراقه البردة للبوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم!

والجواب: أن مدح الرسول منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فالمحمود مدحه صلى الله عليه وسلم بما يليق به من غير غلو ولا إطراء، والمذموم منه ما كان مشتملا على الغلو منه والإطراء، ومجاوزة الحد، ومنه بعض أبيات البردة للبوصيري.  وقد مدحت النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق به في كتابي " من أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومما قلت في شرح الحديث: {لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله } من كتابي " عشرون حديثاً من صحيح البخاري " المطبوع قبل ثلاثين عاماً، قلت: مدح الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فالمحمود هو أن يوصف بكل كمال يليق بالإنسان، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأنصحهم وأخشاهم لله وأتقاهم وأفصحهم لساناً وأقواهم بياناً، وأرجحهم عقلا، وأعلاهم منزلة، وكل وصف هو كمال في حق الإنسان فلسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه من القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف يعتبر نقصا في الإنسان، فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، فلقد اتصف بكل خلق كريم، وحسبه شرفاً قول الله تعالى: (( وإنك لعلى خلق عظيم ))لقد بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة على أكمل وجه، ونصح الأمة ببيان ليس وراءه بيان، ونصح يفوق نصح أي إنسان، فكل ثناء على سيد الأولين والآخرين من هذا القبيل هو حق، مع الحذر من تجاوز الحد عن الحق، ما أجمل وصفه عبد الله ورسوله، تحقيقا لرغبته وامتثالاً لأوامره كما في الحديث: "وقولوا عبد الله ورسوله ".  والمدح المذموم الذي يتجاوز فيه الحد، ويقع فيه المادح في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا الرسول، وذلك أن يوصف صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز أن يوصف به إلا الله تبارك وتعالى، أو أن يصرف له صلى الله عليه وسلم ما لا يستحقه إلا الباري جل وعلا، كقول البوصيري في البردة:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به   سواك عند حلول الحادث العمم

فالمعنى الذي اشتمل عليه البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله وحده لا شريك له، فهو الذي يلاذ ويعاذ به ويلتجأ إليه ويعول عليه، وهو الذي قال عنه رسول الله مبيناً تفضله على عباده وأنه ما بهم من نعمة فمنه تفضلا وامتناناً: { لن يدخل أحدكم بعمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل } ، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، كما قال تعالى: (( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ءإله مع الله قليلا ما تذكرون ))، أي: لا أحد سواه يكون كذلك، لا ملكا مقربا، ولا نبياً مرسلاً، فضلاَ عمن سواه، وقال تعالى: ((وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ))، وقال تعالى: ((وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه))، وقال: ((ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون)).  والحاصل أن المدح الذي اشتمل عليه البيت مدح باطل حذر منه الرسول ويكون حقاً لو قال منادياً ربه:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به   سواك عند حلول الحادث العمم

وهذا لا يليق إلا بالله فهو القائل عن نفسه: ((وما بكم من نعمة فمن الله))والقائل عنه نبيه: { واعلم أن الأمة لم اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك } ، الحديث، فهو الحديث الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو الذي وحده من علمه علم اللوح والقلم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك إلا ما أعطاه الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه عليه، وقد أمره الله أن يقول: ((لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب))الآية، وقال له: ((قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً))، وثبت في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قوله تعالى: (( وأنذر عشيرتك الأقربين ))قال: { يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا} ، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " والحديث.  

11- قال الكاتب: " تمنعون دفن المسلم الذي يموت خارج المدينة المنورة ومكة من الدفن فيهما، وهما البقاع الطيبة المباركة التي يحبها الله ورسوله، فتحرمون المسلمين ثواب الدفن في تلك البقاع الشريفة المباركة، فعن عبد الله بن عدي الزهري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وافقاً بالحزورة، يقول: {والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أخرجت منك ما خرجت} وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من استطاع أن يموت في المدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها} .  

والجواب: أن الأصل أن يدفن كل ميت في بلد وفاته إلا لضرورة تدعو إلى نقله إلى غيره، وفي هذا الزمان سهل الوصول إلى الحرمين الشريفين بوسائل النقل المختلفة، فلو مكن كل من أراد الدفن في الحرمين لأوشك أن تتحول المدينتان المقدستان إلى قبور، والمهم للمسلم أن يكون في حياته على حال حسنة وأعمال صالحة، وأن يختم له بخير.

والحديثان المذكوران: الأول في فضل مكة، والثاني في فضل المدينة، ويدل على فضل الموت بالمدينة ومن المعلوم أن من مات بالحرمين يدفن فيهما، ولا دلالة في ذلك على النقل إلى الحرمين للدفن فيهما.  ثم لماذا يعيب الكاتب على من زعم نصحهم منع النقل إلى الحرمين للدفن فيهما، مع أنه معجب بالصوفية، وقد ذكر عن بعضهم حكايات مفادها أن من الأموات من تنقله الملائكة من المكان الذي دفن فيه إلى مكان آخر! وقد ذكر السخاوي في كتابه " المقاصد الحسنة فيما يدور من الأحاديث على الألسنة " حديث: { إن لله ملائكة تنقل الأموات!!}. وقال: " لم أقف عليه"، ثم ذكر حكايات، منها أن العز يوسف الزرندي أبا السادة الزرنديين المدنيين -وهو ممن لم يمت بالمدينة -رؤي في النوم وهو يقول للرائي: سلم على أولادي، وقل لهم: إني قد حُملت إليكم، ودُفنت بالبقيع عند قبر العباس، فإذا أرادوا زيارتي فليقفوا هناك ويسلموا ويدعوا!!!

وذكر هذا الحديث العجلوني في " كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما يدور الحديث على ألسنة الناس "، ونقل الحكايات التي نقلها السخاوي، ثم قال: " وقال الشعراني أيضاً في كتابه البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير: قد ثبت وقوعه لطائفة، منهم سيدي أبو الفضل الغريق من أولاد السادات بني الوفاء، غرق في بحر النيل فوجدوه عند جده بالقرافة مدفوناً!! وأما نقل الحديث فكثير، يتكلم الرجل بمصر فينتقل إلى مكة في ليلة فيجده الناس هناك!! انتهى". وكانت وفاة الشعراني صاحب هذا الكلام سنة (973هـ).  

وأهل السنة والجماعة ومنهم من زعم الكاتب نصحهم يؤمنون بأن الله على كل شيء قدير، ويصدقون بكرامات أولياء الله حقاً، وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ولا يصدقون بالحكايات المنامية وغير المنامية التي ليس لها خطام أو زمام.  وكل ميت دفن في مكان فإنه يبعث منه يوم القيامة، كما قال عز وجل: ((ثم أنكم يوم القيامة تبعثون))، والقبور تنشق عن أصحابها يوم القيامة، وأول قبر ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفّع "، رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ولم يثبت في السنة ما يدل على خلاف ذلك، وأن الملائكة تنقل الموتى من مكان لمكان، بل قد جاء في جامع الترمذي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سؤال منكر ونكير للمؤمن: {نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك } .

وفيه أنه يقال للأرض في حق المنافق: { التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك } ، وهو حديث ثابت، رجاله رجال مسلم.  

12- عاب الكاتب على من زعم نصحهم تعيين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أستاذاً بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وعضواً في مجلسها الأعلى، وزعم أن الملك فيصلاً رحمه الله طرده، وأنه أعيد إلى نفس المنصب بعد ذلك، ووصف كتبه بأنها كاسدة!!!

والجواب: إن الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني - رحمه الله - معروف لدى أهل الإنصاف بجهوده العظيمة في خدمة السنة، وتسهيل الوصول إلى معرفة الأحاديث، وبيان مظانها وطرقها ومتابعاتها وشواهدها والحكم عليها.  

وقد عين مدرسا في الجامعة الإسلامية بالمدينة في السنوات الأولى من إنشائها، وعين عضوا في مجلسها الأعلى، ثم انتهى عقده كما ينتهي التعاقد مع المدرسين غير السعوديين، وكنت مدرسا في الجامعة الإسلامية منذ تأسيسها، وما سمعت أن الملك فيصلا - رحمه الله - طرد الشيخ الألباني كما زعم الكاتب. !!

والمجلس الأعلى للجامعة سابقا يتألف من أعضاء، فيهم عشرة من خارج المملكة يصدر تعيينهم بأمر ملكي لمدة ثلاث سنوات بناء على ترشيح الجامعة.  

وقد كنت منذ عهد الملك فيصل - رحمه الله - على وظيفة نائب رئيس الجامعة الإسلامية، وبعد انتقال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - من رئاسة الجامعة الإسلامية إلا رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في شوال عام 1395 هـ، كنت المسؤول الأول في الجامعة مدة أربع سنوات، فرشحت عشرة أعضاء في المجلس الأعلى للجامعة، فيهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، إلى علمه وفضله وجهوده في خدمة السنة، وإلى كونه ناصراً للسنة محذراً من البدع، راد على المبتدعة.

وأما وصف الكاتب لكتبه بأنها كاسدة، فنعم هي كاسدة عنده وأمثاله! وأما من له اشتغال بالعلم واهتمام بالسنة فيحرص على اقتنائها والاستفادة منها.

13- أشاد الكاتب في أوراقه بإقامة احتفالات لمولد رسول الله وأنكر على من زعم نصحهم إنكارهم لذلك.  والجواب: أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون في قلب كل مسلم أعظم من محبته لوالديه وولده والناس أجمعين، كما قال صلى الله عليه وسلم: { لا يؤمن أحدكم حتى أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين } ، رواه مسلم والبخاري.

بل يجب أن تكون أعظم من محبته لنفسه، كما ثبت ذلك في حديث عمر رضي الله عنه في صحيح بخاري، وإنما وجب أن تكون محبته صلى الله عليه وسلم أعظم من محبة النفس والوالد والولد، فلأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يديه وهي الهداية للصراط المستقيم، والخرج من الظلمات إلى النور هي أجل النعم وأعظمها، ولا يساويها نعمة ولا يماثلها نعمة.  

والعلامة الواضحة الجلية لمحبته صلى الله عليه وسلم اتباع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، وذلك بتصديق الأخبار وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وأن تكون العبادة لله مطابقة لما جاء في الكتاب والسنة.  

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت عنه شيء يدل على احتفاله بمولده، وكذلك لم يأتي ذلك عن أصحابه الكرام، ولا عن التابعين وأتباعهم، ومضت القرون الثلاثة الأولى ليس فيها شيء من الاحتفالات بمولده صلى الله عليه وسلم، وأول من عُرف عنه إحداث الاحتفال بالموالد ومنها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم العُبيديون الذين حكموا مصر، الذين يقال لهم: الفاطميين، وكان بدء حكمهم في مصر في القرن الرابع الهجري، فقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (1/490) أنه كان للفاطميين في السنة أعياد ومواسم، منها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر.  

وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ)، وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: "ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعّباد. . . . ".

وذكر ابن كثير قبل ذلك بقليل أن صلاح الدين قطع الأذان بحي على خير العمل من مضر كلها.

وفي القول بالاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم تقليد للنصارى في احتفالهم بملاد عيسى عليه السلام، فقد قال السخاوي في كتابه التبر المسبوك في ذيل السلوك (ص: 14): " وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتحريم وأجدر!!!"

وتعقبه ملا علي القاري في كتابه المورد الروي في المولد النبوي (ص: 29، 30) بقوله: " قلت: مما يرد عليه أنّا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب".

أورد النقل عنهما الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري رحمه الله في كتابه القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل وهو ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي- (2/360-361).

وكتاب الأنصاري هذا من أحسن ما ألف في هذه المسألة التي ابتلي بها كثير من الناس منذ أن أحدثت في القرن الرابع إلى الآن.  

وإذاً فالمحدثون لبدعة الموالد الرافضة العبيديون، والمقلدون فيها النصارى الضالون، وصدق الرسول الكريم بقوله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم.  قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟قال: فمن؟"، رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

قال الكاتب: " كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر، فهدمتموها، ثم كراسي للتدريس، فمنعتموها. . . "واستنكر قول أحد المدرسين في المسجد النبوي: إن أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار، واستشهد لإنكاره بقول الله عز وجل: ((إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً))، وبقوله: ((والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم))!!!وعول في نجاة الأبوين على رسائل للسيوطي في ذلك.

والجواب: أن يقال: يريد الكاتب بالمنابر المهدومة المقامات التي على أطراف المطاف سابقاً، والتي يقال لها: مقام الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وكانت موجودة قبل ولاية الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان كل أصحاب مذهب يُصلُون على حدة عند هذه المقامات، فكان من أعظم حسنات الملك عبد العزيز أنه منذ بدء ولايته قضى على هذا التفرق في الصلاة حول الكعبة، وجمع الناس على إمام واحد يصلي بهم مجتمعين غير متفرقين، وقد بقيت البنايات التي يقال لها المقامات إلى أن أزيلت عند توسعه المطاف، وقد شاهدتها عندما حججت فرضي سنة (1370هـ).

وقد سمعت من الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله، وهو ممن أدرك ذلك الوقت- يذكر أن واحداً من المتعصبين منكراً لذلك التفرق، فكان جواب ذلك المتعصب أن قال: الدليل على أنكم لستم على حق أنه ليس لكم مقام حول الكعبة، فكان جواب المنكر لذلك التفرق: يكفي المسلمين جميعاً مقام إبراهيم، ولا يحتاجون إلى مقامات أخرى!!

والكاتب- في أوراقه- يُظهر التألم من فرقة المسلمين في هذا الزمان، فيقول: " بلاد أمريكا وأوروبا وصلها داؤكم الدفين، فاشتعل الخلاف في مساجد ومدارس المسلمين، هذا تابع لابن باز وابن عثيمين، يكفر الصوفية والذاكرين، هذا أشعري أو ما تريدي، وهذا ديوبندي أو بريلوي. . . إلخ، يحارب بعضهم بعضاً، ويحرم الصلاة خلفهم، والزواج والتواصل فيما بينهم، ويقطع أواصر الدين. . . ".

فإذا كان هذا تألمه لفرقة المسلمين في أوروبا وأمريكا، فما باله يتألم ويحزن لوحدتهم وزوال فرقتهم عند الكعبة، فينقم على من كانوا سبباً في هذه الوحدة، ويقول: "كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر، فهدمتموها"؟!!

وهذا التناقض من الكاتب في تألمه على الفرقة في أمريكا وأوروبا، وتألمه وحزنه على وحدة المسلمين في صلاتهم عند الكعبة ناشيء عن اتباع الهوى والنيل مما يدعو إلى الحق والهدى، وما أحسن قول أبي عثمان النيسابوري رحمه الله: " من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة".  

ثم ما علاقة من أراد نصحهم بتفرق غيرهم إلى أشعري أو ما تريدي، وديوبندي أو بريلوي. . . إلخ، على حد قوله.

وقوله: " هذا تابع لابن باز وابن عثيمين، يكفر الصوفية والذاكرين "، هو من الإفك المبين، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

وأما التدريس في المسجد الحرام والمسجد النبوي، فهو مستمر وقائم في التفسير والحديث والفقه وغيرهما، وأذكر أن مما دُرس في المسجد النبوي موطأ الإمام مالك رحمه الله، درسه كل من الشيخ عطية محمد سالم، والشيخ عمر محمد فلاتة رحمهما الله، ومقتضى الولاية والأمانة والنصح للمسلمين ألا يسمح لكل من أراد أن يفتح فاه في المسجدين الشريفين. وأما إنكاره القول بأن أبوي رسول الله في النار فلا وجه له، لأن الذي قال ذلك رسول الله ص، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه: {أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي ؟قال: " في النار"، فلما قفا دعاه، فقال: " إن أبي وأباك في النار} .

وقد بوب النووي لهذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم بقوله: " باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين".

وقال في شرحه: "وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار، وليس هذه مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم".  وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {استأذنت ربي أن أغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي} .

وفيه أيضاً عن أبي هريرة قال: { زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت} .

قال النووي في شرحه هذا الحديث: "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، قال تعالى: ((وصاحبهما في الدنيا معروفاً))، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض رحمه الله: سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: {فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت} .  وقال أيضاً: قوله:{فبكى وأبكى من حوله} ، قال القاضي: بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به".  

وقال البيهقي في السنن الكبرى (7/190): " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا. . . "، ثم ساق بإسناده حديث أنس: {إن أبي وأباك في النار} ، وبإسناده حديث أبي هريرة في استئذانه صلى الله عليه وسلم في أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، وهما اللذان أخرجهما مسلم.  

وعلى هذا فالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كون أبويه ماتا مشركين، وأنهما في النار، ولم يثبت شيء يدل على خلاف ذلك، وما ذكره من قال بإحيائهما له صلى الله عليه وسلم وإسلامهما ليس بصحيح، لعدم ثبوته من حيث الإسناد، لأن فيه مجاهيل، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره.

وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/324-327): " سئل الشيخ رحمه الله تعالى:

هل صح عن النبي أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟

فأجاب: لم يصح ذلك أحد من أهل الحديث، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر-الخطيب- في كتابه السابق واللاحق، وذكره أبو القاسم السّهيلي في شرح السيرة بإسناد فيه مجاهيل، وذلك أبو عبد الله القرطبي في التذكرة، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المتعمدة في الحديث، لا في الصحيح، ولا في السنن، ولا في المسانيد ونحوه من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من الوجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت ، فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروِه لأحد من الثقات عُلِم أنه كذب. والخطيب البغدادي هو كتاب السابق واللاحق مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد، سواء كان الذي يروونه صدقا أو كذباً، وابن شاهين يروي الغث والسمين، والسهيلي إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل.

ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: (( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ))[النساء:17] (( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ))[النساء:18].  فبين الله أن لا توبة لمن مات كافر، وقال: ((فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون))، فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس، فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص وفي صحيح مسلم: أن رجلا قال للنبي ص:{ أين أبي؟ قال: " إن أباك في النار"، فلما أدبر دعاه، فقال: " إن أبي وأباك في النار} .  وفي صحيح مسلم أيضاً قال: { استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة} . وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: { إن أمي وأمك في النار } .

فإن قيل: هذا في عام الفتح، والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع، ولهذا ذكر ذلك من ذكره، وبهذا اعتذار صاحب التذكرة، وهذا باطل لوجوه:

-          الأول: إن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ، كقوله في أبي لهب: (( سيصلى ناراً ذات لهب))، وكقوله في الوليد: ((سأرهقه صعوداً)). وكذلك في: { إن أبي وأباك في النار} ، { إن أمي وأمك في النار}، وهذا ليس عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر، لأنه لو كان كذلك لجاز لهما الاستغفار، ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك، فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمناً فإن الله يغفر له، فلا يكون الاستغفار له ممتنعاً.

-          الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه، لأنها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأبوه فلم يكن هناك، ولم يزره، إذ كان مدفوناً بالشام في غير طريقه، فكيف يقال: أحيي له؟!

-          الثالث: إنهما لو كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا أحق بالشهرة والذكر من عميه: حمزة، والعباس، وهذا أبعد مما يقول ا&